في مقالي اليوم سأعود بكم إلى الوراء قليلاً أي قبل أكثر من عشرون عاماً وهي بداية علاقتي بالأمير الشاعر سعود بن بندر (يرحمه الله) حيث كان سموه يحتضن في مجلسه العامر معظم الإعلاميين والشعراء والأدباء والرياضيين ورجال الإعمال وابرز الشخصيات الاجتماعية وكنا نحرص على التواجد في مجلسه (يرحمه الله) بشكل يومي فسموه كما فاتح مجلسه لهم فتح أيضاً قلبه يستمع لمشاكلهم ومعاناتهم حيث نجد لديه دائماً الحلول, فهذه الصفات وغيرها الكثير جعلته محبوباً لدى الجميع,إنني لن أطيل في سردي لشخصية الأمير سعود بن بندر لأنني لو حاولت أن اصف خصاله ومحاسنه,والمقربون يعلمون ذلك جيداً فمنذ وفاته يرحمه الله لم يستطع أحد أن يفي هذا الرجل حقه بنبله وأخلاقه وكرمه وشجاعته لذا سأتناول موقف حدث بيني وبينه قد لا يعرفه وهي قصة وصول قصيدة (منهو حبيبك) للفنان الراحل طلال مداح (يرحمه الله) والتي كانت من أقوى الأعمال التي طرحت في تلك الفترة بشهادة العديد من الفنانين والنقاد, قصة القصيدة بدأت عندما أنهيت عملي اليومي في الجريدة حيث كنت مشرفاً على الصفحات الفنية بجريدة المسائية, كعادتي اتجهت إلى قصر سمو الأمير سعود بن بندر ودخلت علية فوجدته جالساً وحيداً في مجلسة فالوقت كان مبكراً على موعد حضور الآخرين فبدأنا نتجاذب الحديث واخبرني بأنه كتب قصيدة وقبل أن يسمعني إياها طلبت منه يرحمه الله أن تنشر في صفحتي التي اشرف عليها في المسائية فوعدني بذلك بعد أن ينقحها ويهيئها للنشر, ولكن خوفي من أن تصل إلى أيدي الآخرين من الزملاء طلبتها منه ووعدته بأن أعيدها إليه بعد أن يغادر الجميع مجلسه وتحقق لي ذلك  وإطمأنيت بعد أن وضعتها في جيبي, بدأ الزملاء والأصدقاء يتوافدون على مجلسه, وكنت اسعد الحاضرين لأنني كنت امتلك في جيبي كنز لا يقدر بثمن فسمو الأمير الشاعر سعود بن بندر (يرحمه الله) لم يكن مقبلاً على النشر ولم يكن يكتب بإسهاب لأنه كان صادقاً في أحاسيسه ومشاعره لذلك عندما يكتب القصيدة كان يكتبها بعد معاناة صادقة والموقف القوي هو الذي يجبره على الكتابة لذلك كانت قصائده تقتحم قلوبنا دون استئذان لأنها نابعة من قلبٌ صادق,المهم أن الحديث بين سموه في تلك الجلسة تشعب وتناول جوانب عديدة كانت بعيدة عن الشعر, وفي اليوم التالي كنت اعد الصفحة في الجريدة للنشر ووجدتها فرصة كبيرة أن تتزين الصفحة بجوهرة لسموه خصوصاً أنني سأفاجئ القراء بها كما سأسجل موقف أمام الزملاء بقصيدة جديدة من قصائد سموه لم يتوقعونها, وفعلاً تحقق ذلك ونشرت القصيدة ولاقت أصداء كبيرة عند القراء وفي نفس الوقت أغاضت الكثير من الزملاء لأنني تمكنت من الحصول عليها في حين لم يعلم الجميع عنها شيء, أما سموه يرحمه الله فقد كان مستاء كوني لم التزم معه عندما وعدته بإعادتها لتنقيحها وتغيير بعض الأبيات فخرجت وهو لم يكن راضياً عنها لكنه في قرارة نفسه وهذا ما اكتشفته لاحقاً كان سعيداً بذكائي كوني استطعت أن أحقق رغبتي.

بعد أسبوع دخلت عليه في مجلسه المختصر بعد أن سمح لي بذلك فوجدته ممسكاً بالهاتف ويتجاذب الحديث مع شخص لا أعرفه واشر لي بالجلوس بقربه وبعد أن انتهى من مكالمته التفت الي وسألني ..

·        تعرف يا طاهر من كان يكلمني ؟

·        لا.. بس من خلال الحديث اكتشفت إن هناك تعاون فني بينك وبين أحد الفنانين.

·        هذا الفنان طلال مداح شاف القصيدة في المسائية وأعجب بها, لا ولحنها بعد وسمعني اللحن ويطلب مني التنازل عشان يغنيها.

·        طيب طال عمرك وش رأيك في اللحن؟

·        بصراحة يا طاهر اللحن عجبني كثير.. ولا تنسى أنه الفنان طلال مداح ما هو أي فنان  عشان كذا رايح أرسل له التنازل.

وانقطع الحديث بعد أن بدأ الزملاء يتوافدون على المجلس, وبعد عدة أشهر طرحت القصيدة ضمن البوم الفنان الراحل طلال مداح وحققت أصداء كبيرة.

وفي أحدى المناسبات الفنية التقيت بالفنان طلال مداح (يرحمه الله) فسألته عن راية في قصيدة (منهو حبيبك) وكيف حصل عليها, فقال لي كنت في زيارة لأحد الأصدقاء وبالصدفة وجدت عنده جريدة (المسائية) وبصراحة لأول مرة أشاهد هذه الجريدة فلم أكن اعرف أنه يوجد جريدة سعودية بهذا الاسم, أخذت أتصفحها فوقعت عيني على القصيدة, قرأتها مرة وثانية فشدتني الصورة التي تحملها, وأنا في نفس الجلسة بدأت في تلحينها ومن الجميل والذي استغرب منه أن اللحن لم يكن صعباً, فبدأت ابحث للحصول على التنازل من صاحبها وهو الأمير سعود بن بندر وفعلاً اتصلت بسموه وأسمعته اللحن وأعجب به كثيراً فطلبت منه التنازل والسماح لي بطرحها في ألبومي القادم خصوصاً وإنني في تلك الفترة كنت بدأت في تجهيز أعمالي, وفعلاً حصلت على التنازل وتم تنفيذ العمل وطرح في الأسواق, وبصراحة كان العمل بالنسبة لي أكثر من رائع وكان من الأعمال التي أضافت لمشواري.

قد لا تتخيلون مدى سعادتي بحديث الفنان الكبير وسعادتي أيضاً أنني كنت أحد الأسباب في هذا التواصل الجميل بين الأمير الشاعر سعود بن بندر والفنان طلال مداح (يرحمهما الله).