|
وهم المسيار أقلام - نجاة المرزوقي |
![]() |
|
قبل فترة يسيرة انتشر الحديث عن زواج المسيار بعدما كنا نستمع بعجب وغرابة عن حكايا الزواج العرفي ونهاياته التعيسة دائما .. وكالعادة .. كثر في حينه الحديث عن المسيار .. وتعددت الآراء بين مؤيد ومعارض .. محبذ .. ومستقبح .. إلا أن فكرة المسيار أصبحت اليوم الشغل الشاغل لكثير من الناس وكشفت عن كثير مما تخفيه شخصية الشباب غالبا ..
وحتى يمكننا الحديث عن ظلال قضية المسيار .. لا بد أن نعرج على معنى هذا النوع من الزواج حتى نستكشف معا المفاهيم المغلوطة لدى العامة من الناس عن ماهية هذا الشكل من عقود الزواج .
والمسيار .. هو زواج بين امرأة ورجل بالغين عاقلين .. يلتزم فيه الزوج بجميع الحقوق الزوجية تجاه زوجته ماعدا المبيت .. أي أن الزوج مكلف فيه بدفع المهر وتوفير بيت كامل ومتكامل .. ومنح الزوجة كافة حقوقها المادية والمعنوية فيما عدا المبيت .. وقد تكون صدمة لأولئك الباحثين عن هذا الشكل من الزواج حين يعلمون انه لا يوجد هناك عقد زواج باسم المسيار .. وبالتالي .. فهو زواج عادي تماما إلا في أمر واحد .. حيث تتنازل الزوجة للزوج عن الالتزام بالمبيت في بيت الزوجية .. وعليه .. فللزوج الحق في زيارتها في أية وقت شاء في بيت الزوجية .
لكن معظم الناس ينظرون إلى زواج المسيار بشكل قاصر .. فيخيل إليهم انه نوع مبتكر من المتعة .. وفيه يتحول الزوج إلى مجرد زائر محبب .. لا يتحمل فيه أي نوع من التكاليف .. ماعدا تلك الزيارات التي يختارها بنفسه كلما سنح له الخاطر وفكر في تلك المرأة التي تسمى زوجته .. فيعيش جوا من الرومانسية كما يظن ثم يرحل .. وكأن تلك المرأة لا تعني له شيئا إلا أنها مجرد امرأة.
ومن التصورات الخاطئة لدى كثير جدا من الشباب .. إن زواج المسيار يعني أن تظل الزوجة في بيت أسرتها .. بينما الحقيقة غير ذلك مطلقا .. فهو ملزم بتوفير بيت الزوجية .. لكن ما يحدث غالبا من بقاء الزوجة في بيت أسرتها لأنها لا تستطيع تركها بسبب الظروف التي تعيشها الأسرة والتي فرضت عليها هذا الشكل من الزواج .. جعل الكثير يظنون أن الشكل الطبيعي لهذا الزواج أن تظل الزوجة في بيت أسرتها مما ساهم في ترويج فكرة المسيار .. كنوع من الزواج اللا مسؤول إن جاز التعبير .
ولعل مشكلتنا الدائمة هي الأخذ بما تراه أعيننا دون أن نتكلف فهم ما يجب فهمه لتكتمل لدينا الصورة ونتحدث على علم وإدراك .. وليس بجهالة .. فالجهل آفة العصور .. وطريق الوقوع في الزلل .
أما إن تطرقنا لزواج المسيار كأحد الحلول لمشاكل معينة .. فهو حل ايجابي للمرأة الوحيدة التي لا تجد من يعولها بينما هناك من لديه استعداد للزواج بها للإنفاق عليها وليس رغبة في الزواج بحد ذاته .. أو تكون مسئولة عن أسرة لا تقوم إلا بها ويصعب أن تتركها .. بينما تحتاج للموازنة بين واجبها تجاه أسرتها واحتياجاتها الشخصية .. وما شابه ذلك من الحالات التي يكون فيها زواج المسيار عونا لهذه المرأة وليس عبئا على حياتها أو إفسادا لها ..
أما أن يكون المسيار حلا لكل مطلقة أو فقيرة أو أرملة .. فلا بالطبع .. لان الزواج العادي يظل أفضل الحلول لتحصين المرأة وصيانتها أو حتى مساعدتها.. وليس كل من يود الزواج بامرأة فقيرة أو وحيدة أو لديها أم مريضة أو أب عاجز أو إخوة صغار لا حل أمامه سوى زواج المسيار .
المرأة بطبيعتها تحتاج أن تشعر بوجود من تستند إليه وتعتمد بعد الله عليه .. وهي أكثر تعرضا للمرض من الرجل وأكثر احتياجا للرعاية .. وهذا يقتضي وجود الزوج إلى جوارها حتى تشعر بالأمان .. وتستقر نفسها فلا تتحول أوجاعها إلى أمراض نفسية ..
قد تشمل المتعة كلا الزوجين .. إلا أن الزوجة تحمل عبء ذلك حتى النهاية .. فهي من تحمل أطفاله .. وهي من تنفق الجهد الأكبر في تنشئتهم حتى يكبرون .
إن الأم التي تصاب باكتئاب ما بعد الولادة مثلا .. لا يمكنها الخروج منه إلا بوجود زوجها حتى يشعرها بمساندته ويمنحها الحب والحنان الذي يخفف عنها صدمة التغيرات الفسيولوجية التي تصاب بها .. ولا يمكن بحال أن ينجح في ذلك غير الزوج .. الذي يفترض أن يكون اقرب الناس إليها.. وأكثرهم إحساسا بها وشعورا بآلامها أو مخاوفها .
وان كانت هذه صورة لأهمية وجود الزوج إلى جانب زوجته .. فيمكن القول أن حياة المرأة في مجملها صور تتشابه إلى حد كبير مع هذه الصورة .
يعترف الرجل انه ليس بالعاطفة التي هي عليها المرأة وبالتالي فهو قد يشعر أن ابتعاده عن الزوجة لا يعتبر مشكلة بالنسبة له .. ولعل هذا الاعتراف يعلل إعجاب كثير من الرجال بزواج المسيار!
كلما مررت بموقع للزواج .. هالك ما تقرأ من طلبات المسيار .. فالشباب على اختلاف أعمارهم .. حتى صغار السن منهم .. يرغبون في مثل هذا الزواج .. وان حاورت احدهم أو سألته : مالذي يجعلك تطلب المسيار ؟ يجيب عليك بأنه ليس لديه المال الكافي ولا يريد الالتزام بهموم الزوجة !!
عجبا .. كيف يظن هؤلاء المسيار .. أن يمنحه الشرع امرأة يعبث بحياتها .. ويرضي نزواته معها كلما أراد .. ثم يعطيها ظهره موليا .. فهل يظن هؤلاء أن الشريعة السمحة تسمح لهم بذلك ؟؟
الزواج في حد ذاته جاء مكرما للمرأة وللرجل .. فهو يجمعهما على عهد وميثاق غليظ .. يلزم الزوج بدفع مهر إلى المرأة تقديرا لها وعونا وتطييبا لنفسها .. فهي ستمنح هذا الرجل ذاتها وأثمن ما لديها .. ستكون راعيته وربة بيته وأم أطفاله الذين هم عونه وسنده . كما يلزمه بتوفير بيت لهذه الزوجة .. والإنفاق عليها حسب إمكاناته المادية .. يلزمه أن يكرمها ويصونها ويساعدها .. يلزمه أن يحافظ عليها.. يلزمه أن يعاملها بالمعروف .. ويعني هذا إلا يكون سببا في إيذاء نفسها .
الزواج .. لم يشرعه الله لمجرد متعة تنتهي في دقائق .. بل شرعه لأغراض عظيمة .. ففيه حفظ للنسل .. تحصين للرجل والمرأة من الزلل .. حفظ للأعراض .. مشاركة ومؤازرة بين الزوجين .. مودة ورحمة .. استقرار .. وإذا كان الاستقرار هو المرادف للزواج .. فماذا نسمي زواج المسيار أن كان لا يحقق هذا الهدف الأساسي ؟!
إذن .. فالمسيار ليس نظاما عاما للزواج .. ولم يشرع للعبث .. أو اخذ العلاقة الزوجية بمأخذ الهزل .. بل هو صورة تقتصر على حالات خاصة جدا في المجتمع الإسلامي .. حتى تجد فيه المرأة من يقوم بأمرها بشكل شرعي .
وإذا نظرنا نظرة بعيدة لشكل المجتمع أن شاع فيه زواج المسيار .. لوجدنا الكثير من السلبيات .. فالناس ليسوا سواسية .. وبالتالي .. فكيف يكون حال معظم النساء المتزوجات بالمسيار .. المشتركات في قضية واحدة .. وهي غياب الزوج بالأيام أو الأسابيع أو ربما أكثر .. كيف تشعر مثل هؤلاء النسوة بالاستقرار .. والأبناء .. كيف يعيشون وبماذا يشعرون في ظل غياب الأب باستمرار .. بالإضافة إلى نشأتهم في بيت أسرة الأم عادة .. وعند ذلك .. ماهو الفرق بين هؤلاء .. وبين أطفال يعيشون مع أمهم المطلقة ؟؟
الحقيقة أن مشكلة المطلقة وزوجة المسيار واحدة .. فالاثنتين يعانين من غياب الرجل .. والاثنتين يعانين من نظرة المجتمع .. وكلاهما تشعر بالنقص ومشاعر الحرمان والفشل واللا أهمية .
ماهي نظرة الإخوة إلى أختهم كلما زارها زوجها مابين فترة وأخرى .. وهل من السلامة أن يحدث مثل هذا اللقاء في بيت أسرة الزوجة ؟؟ .. وكيف تشعر الزوجة بالاحترام لزوج لا يسأل عنها إلا من اجل نزواته .. ولم يتزوجها إلا لذلك ؟
والغريب في الأمر .. أن هناك أزواجا عاديون جدا .. ومع هذا يقتل احدهم الشك كلما غادر منزل الزوجية للعمل أو السفر .. بينما لا يهتم أصحاب المسيار بما ستكون عليه زوجته التي لا تراه سوى مرة في الأسبوع أو في الشهر .. أو ما شابه .. وهذا بلا شك من متناقضات الحياة وعجائب البشر !
أسئلة كثيرة.. لم يهتم لها من يصر على زواج المسيار .. فتركيزه الوحيد يقع على رغباته واحتياجاته الشخصية النرجسية .. بينما لا يهمه ماذا سيكون عليه حال الزوجة .. الأطفال .. المجتمع بأسره كلما توغل هذا النوع من الزواج في جنباته ؟
إنني أخشى بالفعل .. أن ينتشر من هذا الزواج .. فيكون حجة لفساد كبير .. ومشاكل نحن في غنى عنها .. وكل ما ارجوه من الجميع أن يفكروا في نتائج ما يحاولون الوقوع فيه .. فكم من ثمرة جميلة يسكن في قلبها سم زعاف .
قال الله عز وجل : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الروم21
وفي كلام الله خير ختام ..
|
|