|
أقلام - نجاة المرزوقي |
لماذا نخشى من الحب
|
|
يعتبر الحب في مجتمعنا أشبه بالعار .. يخجل من ذكره المحب إلا إن كان أمام من يتباهي به أمامهم من أصدقائه .. وكذلك بالنسبة للفتاة .. فالأمر أكثر حرجا وخطورة ..
ومن عادتنا إلا نفسر لأبنائنا أسباب الخطأ .. بل نكتفي أن نقول هذا خطأ .. وذاك عيب .. وينشأ الفرد منا .. لا يعلم لم هذا خطأ أو ذاك عيب .
ربما يظن القارئ أنني ادعوا للتفسخ ونبذ الحياء .. والخروج على الدين والعادات التي تستمد قيمتها من الشريعة في الاساس .. لكن ما أدعو إليه ليس أكثر من الشفافية في التعامل الأسري .
يشتكي الأبناء والبنات من قسوة أو تشدد الأسرة في الغالب .. فهو لا يستطيع الحديث عن أسراره الخاصة لوالده أو إخوته الذكور مثلا .. إما خوفا من التقريع .. أو تجنبا للعقاب .. وكذلك الأمر مع الفتاة ..
وبما أن الطبيعة الإنسانية لا تكتفي بالذات .. بل تعتمد على التواصل والتشاور والبحث عن المعلومة والرأي .. يتجه الشاب أو الشابة إلى صديقه أو صديقتها .. فيلقون بأسرارهم خارج الأسرة .. وربما قادهم تفاعل الأصدقاء إلى التوسع في الحديث عن أسرار الأسرة أو احد أفرادها .. وهنا تبدأ المشكلة .
فأمام الأسرة .. ليس هناك سوى أبناء نموذجيين .. أو عاديين جدا .. بينما خارجها .. هناك الكثير من القصص والأحداث .. وهذه الأعداد الكبيرة من الشباب والشابات المراهقين الذين يتحدثون عن مشاعر الحب تجاه أطراف أخرى مع أصدقائهم .. ليسوا سوى أبناء المجتمع .. وقد يكونوا أبناؤك .. أو أبناء احد إخوتك .
وطالما أن دفن الرؤوس في الرمال لا يجدي .. ولا ينهي مشكلة .. فلابد أن يراجع كل منا حساباته .. ويغير الشكل المقولب للعلاقة بين الأب والأبناء أو الأم والأبناء التي ورثها عمن سبقه من آبائه .. فالمجتمع يتغير .. والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة تحطم الأسوار .. وتنسف نظام الأمر والنهي الذي لا يواجه أي تمرد ..
ونعود إلى الأبناء .. فمن الواجب أن تصل الشفافية بين الأسرة إلى الحد الذي تحتوي فيه أبنائها .. وتصل إلى مكنوناتهم .. وتراعي مشاعرهم وتطوراتهم النفسية .. فالابن الذي لا يجد والدا أو أخا يستمع إليه ويكون مستودع أسراره .. ويستمد منه المعلومة والنصيحة الحانية والرأي السديد .. لن يجد بديلا عنه سوى أصدقاء في مثل سنه .. لا يملكون الخبرة ولا الإحساس بالمسؤولية .. وبالتالي .. لن تثمر آراؤهم سوى أخطاءا قد تكون قاضية !
أما الابنة .. والتي هي أحوج للشعور بالحنان والحب والاحتواء من أسرتها .. وعدم التمييز بينها وبين إخوتها الذكور .. لن تجد في الغالب مخرجا مما تعانيه من فراغ نفسي إلا في الاندفاع في محبة احدهم .. وحينها قد يعقب ذلك ويلات لا مناص منها .
أن الوقاية خير من العلاج .. وهي عادة اقصر وأكثر سهولة من العلاج الذي قد يصل إلى حد البتر أحيانا .. ولذلك نقول .. امنحوا الحب لأسرتكم أيها الآباء .. انشروا الحب بين الإخوة ولا تميزوا بينهم .. فهم أحوج إلى حبكم .. وهو الذي سيساهم في وقايتهم من الوقوع في عثرات الطريق التي تمتد أمامهم وتحمل الكثير من الأخطار .
امنحوهم ما يكفي من الحب .. حتى لا تدفعهم الحاجة إليه للخروج خلف اسوار المنزل .. امنحوهم قلوبكم وأرهفوا إليهم مسامعكم .. وأنصتوا لما يقولونه لكم .. اجعلوا الحب الذي تخفق به قلوبهم يظل بريئا .. يتحول إليكم والى إخوتهم ولا تكونوا سببا في تحوله إلى أشخاص قد تكون قلوبهم ميتة أو لا تستحق أن تـُحب ..
حين ترفض أن تتقبل أو تتفهم حب احد أبنائك لأحدهم .. ثم ترغمه ارغاما على تركه .. فإنك تحكم على ذلك الحب بالبقاء في الظلام .. لأنه من الصعب جدا أن يتخلص شخص من شعور كامن في نفسه لمجرد أمر .. وحين يكون الحب في الظلام .. ومن خلف الأسوار .. فهناك يكمن الخطر .
لقد كرم الله الإنسان بالعقل .. وانعم عليه باكتساب الخبرات مع الزمن .. حتى يعمل بها ويمنحها من لا يزال في بداية طريقه كي يتفادى مواقع الزلل والعثرات .. ولعل الأبناء هم أحق الناس بهذه الخبرة التي تتطلب وعيا وتفهما كبيرين .
أخر الكلام : إن اليتيم هو الذي تلقى له .. أما تخلت .. أو أبا مشغولا.
|
|