بيوت خاوية

 طاهر بخش

فقدان الحنان بين أفراد العائلة يؤدي إلى التفكك الأسري

بيوت خاوية.. من الحنان خالية


في هذا الزمن الغريب الذي ضاعت فيه الكثير من القيم الإنسانية كل شيء يمكن أن يحدث, أن تتجرد الأم من أمومتها هذا يحدث أن نطرد زوجتنا وأولادنا في منتصف الليالي إلى الشارع هذا يحدث أن نعض اليد التي امتدت إلينا بالحب والخير هذا يحدث ففي زمن الجحود ونكران الجميل وضمور الحس الإيماني وإعلاء قيمة الأنا, وموت الضمير كل شيء يمكن أن يحدث, ولكن مهما حدث فهي بقع سوداء نادرة على الثوب الأبيض في بيوت لا تعرف الحنان!.

 

كانت قصة حب الطبيبة الشابة لجارها المهندس الشاب على كل لسان, حتى توجا هذا الحب بالزواج, ومضت بهما الحياة أنجبا خلالها طفلين رائعين, لم يعكر صفو حياتهما شيء, فالزوجة طبيبة ناجحة, الزوج مهندس ناجح في عمله حتى جاءت إحدى الصديقات تهمس في أذن الزوجة بأن لديها عقد عمل بالخارج براتب كبير, وأصرت الزوجة على السفر على أن يقوم الزوج برعاية الولدين, ولكن الزوج رفض سفر زوجته, فدخلهما المادي يسمح لهما بمعيشة كريمة, ولديهما كل ما يحتاجانه, ولا ينقصهما شيء, وتشبث كل منهما برأيه فكان الطلاق, ورغبة من الزوج في عدم إثارة المشاكل, ترك بيت الزوجية لزوجته وولديه منها كما طلبت منه, ثم أسرع بالزواج من أخرى وأقام في بيت والده, وبمجرد علم الزوجة بزواج الزوج قامت بطرد ولديها وطلبت منهما التوجه إلى بيت أبيهما, وكتبت لهما العنوان في ورقة, طرق الصغيران باب الأب, وعندما علم منهما ما قالته لهما الأم رفض استضافة طفليه وطردهما للشارع طالباً منهما العودة إلى شقة الأم وحذرهما من العودة إليه, عاد الطفلان إلى شقة الأم ففوجئا بسفرها, خرج الطفلان إلى الشارع يبكيان من الجوع والإرهاق, فقام أهل الخير بتسليمهما إلى قسم الشرطة حيث قام المسؤولون بالاتصال بقريبة لهما وتسليمهما لها بدلاً من إلحاقهما بدار لرعاية الأحداث, وعندما سئل الطفلان لماذا لم يذهبا إلى المدرسة قالا: طلبت منا الأم ترك المدرسة والجلوس في بيت الأب مع زوجته الجديدة؟!

طرد الأم والانتقام من الابنة

والقصة السابقة لا تختلف كثيراً عما حدث للطفلة (ن. ع) التي لا تستطيع أن تمحو من خيالها اللحظة الحزينة التي قام فيها الأب بطرد الأم من البيت في منتصف الليل وهي تبكي وتستعطفه أن يبقيها حتى الصباح, والصغيرة تبكي وتتشبث بملابس الأم عسى أن يلين قلب والدها ويرق أمام توسلاتها المستميتة ويعيد النظر في قرار طردها من البيت, ولكن محاولاتها وبكاءها باءا بالفشل وخرجت الأم من المنزل مكسورة الخاطر وفي عينيها نظرة هلع لا تستطيع الابنة الصغيرة أن تنساها طوال حياتها, وعاشت الطفلة في حزن دائم لا تكف عن البكاء, ولا يكف الأب عن ضربها, حتى تزوج الأب بزوجة صغيرة لها ابنة في مثل عمرها, حاولت الطفلة بكل براءة وصدق أن تتقرب من ابنة زوجة الأب, ولكنها لم تفلح, ثم قامت زوجة الأب بفرض أعباء منزلية عليها أن تقوم بها بينما طفلتها تلهو في حجرتها كما تشاء, وعلى بنت الأب أن تقوم بخدمتها, ووعت ابنة الزوجة الدرس جيداً من أمها فعملت هي الأخرى على إهانتها واستفزازها وحرمانها من كل ما تحب, وحتى الأماكن التي كانت تخلو فيها إلى نفسها وحيدة تجتر أحزانها كانت تقتحمها لمجرد أن تضايقها, وعاشت الطفلة في هذا الجو الغريب أعواماً طويلة, وكأن الأيام كلها ليل طويل ليس له آخر, حتى عندما كانت تطلب رؤية أمها كان الأب ير فض ذلك تماماً ولا حتى مجرد أن تحادثها هاتفياً, هكذا عاشت سنوات عمرها محرومة من الحب والحنان, محرومة حتى أن يصادقها أحد تنفيذاً للأوامر الصارمة من والدها وزوجته, وهي الآن وبكل إرادتها تعيش في عزلة عن المجتمع, ترفض الاحتكاك بأحد حتى لو أتتها الفرصة فهي لا تدري كيف تتعامل معه بالفعل, خاصة وأنها تتوقع السوء وغلظة القلب من كل البشر.

زوجة ترفض الأمومة

عندما وقف الزوجان أمام القاضي, لم يحاول أن ينظر كل منهما إلى الآخر, حتى عندما قضت المحكمة بإلزام الأستاذة الجامعية بطاعة زوجها وإلزامها بالاهتمام بحياتها الأسرية, وإنجاب الأبناء خرجت الزوجة وهي تتوعد الزوج بعدم الطاعة. وكان الزوج وهو رجل أعمال ثري, قد تقدم للمحكمة يشكو زوجته التي هجرته بعد زواج دام أكثر من خمس سنوات لاهتمامها بأبحاثها العلمية, وقال: إنهما كانا قد اتفقا على عدم الإنجاب لفترة زمنية مؤقتة, إلا أنه يرغب في أن يكون له أبناء يحملون اسمه ويرثونه بعد وفاته, خاصة أنه على وشك أن يودع سن الشباب, وأمام القاضي  قالت الزوجة: إنها لجأت لترك بيت الزوجية عندما أصر الزوج على إنجاب الأبناء, إلا أنها رفضت ذلك نظراً لطبيعة عملها في مجال الأبحاث العلمية, من أجل الحصول على الدكتوراه, وأن الحمل في مثل هذه الظروف قد يضر بالجنين, ولكن القاضي كأن له رأي آخر فأصدر حكمه بإلزامها بطاعة زوجها على اعتبار أنه على حق في طلب الإنجاب من زوجته, وعلى اعتبار أيضاً أن الحياة الأسرية للزوجة تأتي في المرتبة الأولى من الأهمية, ومن الممكن تأجيل رسالتها للدكتوراه إلى ما بعد الإنجاب, لأن الأبناء من أهم القواعد التي تساعد في ترسيخ الاستقرار والأمان للحياة الزوجية, ولكن الزوجة لم تقتنع بالحكم وأصرت على أن تكمل رسالتها حتى لو طلقت, وأسرع الزوج بطلاقها فعلاً مع إبرائه من كافة حقوقها طرفه.

عندما تزوج الزوج من الخادمة

أمام نفس المحكمة حكم القاضي بطلاق زوجة من زوجها لأن الزوج عاملها بقسوة, وكان يضربها ويسبها أمام الجيران وبشهادتهم, ولم يكتف بهذا بل أهدر إنسانيتها حين تزوج للمرة الثانية تحت سمعها وبصرها من خادمتها مما أصابها بالانهيار العصبي والاكتئاب, لأن الصدمة كانت أكبر من قوة احتمالها, ولم يكن لها من أن تذهب إليه بعد وفاة والديها وهجرة أشقائها, ولكن الزوجة تحاملت على نفسها ولجأت إلى المحكمة تطلب الطلاق والتعويض عن الضرر الذي لحق بها, وأجابتها المحكمة إلى طلبها قائلة: إن هذا الزواج من خادمة الزوجة يعرض الزوجة وأولادها لأخطار نفسية وعصبية شديدة وحفاظاً عليها لابد من الطلاق, ولكن الزوج رفض الحكم, ليس لأنه يريد عودتها إليه, ولكن للتنكيل بها وعدم إعطائها حقوقها وحقوق أولادها الشرعية, والآن الأب مع زوجته الجديدة (الخادمة) والأم تنتقل من بيت إلى بيت مع أولادها تبحث في ذاكرتها عن أقارب ربما لم ترهم, ولم يروها من قبل لمجرد أن تجد أربعة جدران تأويها مع أطفالها من العيون الشرهة.

زوجتي لا تعرف الحنان

ويقول (س.خ) تزوجت منذ خمس سنوات فتاة تصغرني بثمانية أعوام, استلطفتها..أعجبتني..خطبتها..تزوجتها, وبعد أن ضمنا سقف واحد, بدأت أكتشف حقيقة شخصيتها, عيبها الأكبر أنها لا تعطي بل تأخذ فقط, افتقدت تماماً في علاقتي بها لمسة الحنان, لا تهتم إذا مرضت, ولا تجزع إذا تعبت أو صادفتني مشكلة, لا تأخذ بالها من أحوالي, لأنها ببساطة مشغولة إلى أقصى حد بذاتها, مظهرها وعلاقاتها الاجتماعية, ومشكلاتها الصحية حتى لو كانت مجرد نزلة برد عادية, وفي العمل التقيت بزميلة يخيل إلي أنها العطاء مجسماً, في نظرات عينيها المح الاهتمام بكل شيء يخصني, لا تتصنع ذلك, ولا تقصد سوءاً أو غرضاً, فما أنا إلا مجرد زميل مثلي مثل كل الزملاء, والجميع يحبونها ويقدرون فيها مودتها وحنانها, ولكنني رجل متعطش إلى الحنان, وأخشى أن يدفعني الحرمان منه إلى التهافت على ينبوع الحنان عند زميلتي بعد أن افتقدته في زوجتي.

افتقد حنان الزوج

أما (بدرية.ص) فتقول: الحنان لا أعرفه, ولم أجربه في حياتي الزوجية فزوجي جاد الطباع متجهم دائماً بلا سبب رغم أنه لم يكن كذلك في فترة الخطوبة, من المستحيل أن يمزح معي أو مع أولاده بكلمة حلوة أو مجاملة رقيقة لأن ذلك من وجهة نظره ليس من خصال الرجولة, ولكنها أمور نسائية لا تليق بالرجال (!!) أحاول دائماً أن ألفت نظره إلى أن المرأة تحتاج إلى الكلمة الرقيقة واللمسة الحانية, وأن هذا الجفاء يقتل مشاعرها, وهو أسوأ ما تتعرض له أي زوجة, وإذا لم تجد الحنان من زوجها فربما تضعف أمام كلمة حلوة من آخر, أو على الأقل تبدأ المشاكل في التضخم لتعصف بالأسرة كلها, ويغرق البيت في بحر من الكآبة والجفاء, وهو ما ينعكس بالضرر الشديد على الأولاد ولكن (تقول لمين)!!

الحنان.. الانتقام.. الندم

ولكن ماذا يقول خبراء النفس عن الحنان المفقود والانتقام من أحب الناس إلى قلوبنا ثم الشعور بالندم, إنهم يقولون: قديماً كان الاعتقاد بأن إنجاب الأطفال يوطد من العلاقة الزوجية ويضمن لها السعادة والاستمرارية, ولكن منطق العصر الحديث يرفض القواعد الثابتة, فالزواج لم يعد يوطد أركانه إنجاب الأبناء, وتحقيق السعادة الزوجية أصبح صعباً, الحياة بوتيرتها المعروفة لا تمنحه, ولكننا نحن الذين نحققه برغبتنا, والحنان في الأسرة لا يصنع ولا يكتسب, وإنما هو في جيناتنا الوراثية, تؤكده وتبرزه تربيتنا المستقرة التي يغمرها الحب والحنان ودفء الأسرة المترابطة المنسجمة, والحنان هو الذي يوطد دعائم الأسرة ويربط الزج بزوجته, والزوجة بزوجها, والأب بأطفاله, والأطفال بوالديهم, والحنان والعطف والحب كلها كلمات تؤدي إلى معنى واحد هو الترابط الأسري, والترابط الأسري ليس له وصفة سحرية سوى أن يكون أطرافه راغبين فيه ومصرين عليه, وأعظم ما في الإنسان هو إنسانيته, والإنسانية تفرض علينا ألا ننتقم من أبنائنا وكأننا ننتقم من شخص الأم أو الأب لأن أحدهما أو كليهما أساء التصرف, ومجتمعنا كما فيه نماذج كثيرة طيبة توجد بجانبها نماذج أخرى سيئة, والحياة لا تسير على وتيرة واحدة فكما نلقى المعاملة الحسنة التي نستحقها نلقى أحياناً معاملة سيئة لا نتوقعها فيأتي الانتقام وكأنه الرد الوحيد على الإساءة التي لحقت بنا, ويا ليتنا ننتقم ممن أساء إلينا, ولكننا نهدم البناء على من فيه, فنكون نحن أول المتضررين على المدى البعيد والقريب, وإن كانت شهوة الانتقام تخيل إلينا العكس, وهذا ما حدث لإحدى السيدات حين استغلت شقيقتها وفاة أمها فاستحوذت لنفسها على الأشياء الثمينة التي تركتها الأم, وعندما اكتشفت الشقيقة الوحيدة ما حدث ما كان منها إلا أن ذهبت إلى بيت شقيقتها وحطمت هذه الأشياء النادرة, إن مثل هذا الانتقام لا يفيد أحداً, وإنما يؤذي جميع الأطراف, وأفضل ما نتمسك به عند الغضب هو ما يأمرنا به ديننا الحنيف حين نصح الأزواج (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) كما دعانا إلى كظم الغيظ فقال سبحانه (الذين ينفقون في السراء والضراء, والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) آل عمران134.

وقال صلى الله عليه وسلم (ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).

وكثير من الرجال والنساء ممن قاموا بالانتقام من الطرف الآخر شعروا بالأسف والندم في النهاية, وساءت حالتهم أكثر عندما أدركوا أنهم لجأوا إلى وسائل تتعارض مع القيم والأخلاق التي نشأوا عليها من البداية, وآه من تأنيب الضمير, ولكن هل الكل يتمتع بفضيلة الضمير الحي؟