ذاتنا الحضارية.. أين منا؟

منى سليم

 

هل العيب فينا أم الآخر، هل هناك هوة حقيقية بين حضارتنا وحضارتهم تؤدى إلى صدام؟ .. عن هذه الأسئلة كل ما يتبعها نظمت كلية اقتصاد وعلوم سياسية جامعة القاهرة مؤتمر بعنوان "نحو بناء الذات الحضارية ووعى الجماعة الوطنية"، خمس أيام هي عمر هذا المؤتمر الذي كان بمثابة وجبة حضارية دسمة ضمت أحاديث في التاريخ والفقه الفلسفة والتقنية والمعلوماتية والفن والأدب والتنظير السياسي.

 

ونبدأ مع ورقة برائحة الماضي وحديث أستاذ التاريخ قاسم عبد قاسم عن الصورة الذهنية المتبادلة بين المسلمين والغرب على مدار 14 قرن، حيث بدأ كلامه بضرب مفهوم وجود صراع حضاري حالي يقوم على تنافر أصحاب الأديان وقال أن الدين لم يكن أبدا السبب في الصراع ولكنه دائما ما استخدم غطاء ومبرر لأطماع وأهداف أخرى وهو ما حدث كثيرا ويحدث إلى الآن.

 

أضاف أن مشروعية هذه الدراسة تقوم على أساس محاولة إخماد نيران العداوة والكراهية المفتعلة التي يؤججها فريق من المغالين على الجانبين.

 

صنف د. قاسم العلاقة بيننا وبينهم إبان الازدهار الإسلامي ـ أي قبل سقوط الأندلس ـ  إلى ثلاث مراحل تراوحت بين عدم الفهم ثم الازدراء إلى الاعتماد المتبادل، وقد كانت الآراء الغربية حول الإسلام بها نوع من الانحياز ولكنها تعتبر متزنة مقارنة بالكلمات الهستيرية التي انطلقت مع الحروب الصليبية وتأخذ جولتها الثانية بهذه الأيام.

 

 وأشار إلى مفارقة غريبة ننهى نحن بها كلمته، فقد بدا عصر انزواء الدولة الإسلامية وانسحاب الاستعمار على الأرض العربية في الوقت نفسه الذي ازدهرت به حركة الإستشراق أي أنهم حاولوا فهم هذا الشرق الذي كان بمثابة سر داخل قلعة قوية فيما سبق، حاولوا فهمنا ولكن بعد أن أصبحنا تحت السيطرة.

معنى الحضارة

ومن حديث التاريخ إلى المفكر المسيحي المعروف د. رفيق حبيب أحد مؤسسي حزب الوسط المصري ذو الصبغة الإسلامية وهو الأمر الذي يثير دهشة الكثيرين دائما ولكنك تفهم منظوره عندما تتابع جلسته حول حضارة الوسط نحو أصولية جديدة وقصد بحضارة الوسط الحضارة العربية الإسلامية التي أقيمت في هذه المنطقة منذ أربعة عشر قرن وأصبحت مسيحيي الشرق على خصوصيتهم جزء منها، تحدث حبيب عن أهمية التثقيف الحضاري وقال إن معرفة معنى الحضارة وتاريخها بشكل عام دون اعتبارها علم متخصص منغلق أمرا ضروريا وذلك لدوره في صنع المستقبل وصنع المستقبل وفهم الحراك الحضاري لأي أمة.

 

ويتم ذلك من خلال معرفة الأسس التي تميز المراحل الحضارية ومن ثم يمكن تقييم الوضع الحضاري الراهن للأمة وأسباب التراجع والصعود والشروط اللازمة للخروج من الأزمة، كما قسم حبيب في ورقته المقدمة دورة حياة الحضارة إلى أربع أطوار تبدأ من لملمة جراح حضارة سابقة ثم النهوض ثم الازدهار ويأتي الفعل الطبيعي وهو الانهيار، وأنهى حديث بأهمية التركيز على دراسة تاريخ حضارات العالم وفهمها وسماه هذا بفقه الحضارة.

 

الأقرب للواقع

ومنه إلى علوم الفقه والشريعة والورقة المقدمة من مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة، الذي بدأ حديثه بأن النهضة تحتاج إلى توليد علوم جديدة وهذا الأمر بمثابة الفرض على المسلمين، وبدأ من وصف للمشكلة ومحاولة للقبض على أسباب العطب فقال: "الأصل إننا اطلعنا على الدين الإسلامي المنقول إلينا عبر العصور عن النبي ومصادره القرآن والسنة وعلى فهم المسلمين السابقين فيم اتفقوا عليه وفهمنا من ذلك صورة معينة مرضية بالنسبة لنا ثم رأينا أن هناك تحولاً شديداً عن هذا الدين بهذا المفهوم الموروث والذي ارتضيناه وهذا التحول شاع في الحياة الثقافية وبين المثقفين".

وعاد ليقول أنه كغيره ما زال يرى أن هذا الدين ـ بالمعنى الموروث ـ هو الأقرب للواقع، وأضاف أن الأصل في الأمر أن الله خلق الإنسان لعبادته وعمران الأرض والأخيرة تستلزم تعليم الإنسان ونقل المعرفة منه وإليه، وكما هو مفهوم من مصادر الشريعة فإن هذا يحدث في إطار معرفي محدد هو الوحي والوجود، أما الوحي فهو مدلول عليه بالقرآن الكريم، أما الوجود فهو البحث في وراء النفس البشرية أي الاجتهاد والسعي والعلم وهو ما يحتاج منا إلى مجهود وهو ما تخلفنا عنه بالفعل منذ زمن طويل، وأنهى كلامه بالقول أن توليد العلوم  هو سمة أصحاب الدين الحق، فأن كنا محقين في إيماننا علينا بالاجتهاد.

 

التنظير السياسي

 

وننتهي مع التنظير السياسي ودكتور سيف عبد الفتاح- أستاذ السياسة بجامعة القاهرة- فقد كانت كلمته شاملة وجامعة وبمثابة جدول موضح لخلاصة هذه الدورة، فقال أن بداية التحرك تأتى بتحديد التحديات ثم البحث في محاولة حلها، وصنف ما تواجهه هذه الأمة من تحديات إلى ظروف داخلية وخارجية، ونبدأ بما هو داخلنا فتحدث عن مفارقة نرددها جميعا يوماً بعد يوم وهى أن كم من ثورة وانقلاب قامت في هذه المنطقة من أجل القضاء على الفقر والجهل والمرض، وقد مرت السنون ونحن أكثر جهلاً وفقراً ومرضاً، ثم انتقل للقيد الثاني الذي جعلنا أكثر تكبيلاً وانهزاما داخلياً وهو الاستبداد ثم الفساد، وانتهى إلى افتقاد تلك الأنظمة لشرعية واضحة مما يدفعها إلى التشتت والعنف والتغريب وفقدان الشعب لوعيه بذاته.

 

أما التحديات الخارجية فجاء على رأسها تشويه ـ بقصد أو دون قصد ـ لصورة الإسلام ثم يأتي العدوان العسكري ومن بعده  العدوان على ممتلكات الشعوب وخصوصيتها من خلال التبعية الاقتصادية والثقافية وما يترتب عليه من إيجاد بيئة مناسبة في ظل الضعف مثل مشكلات الأقليات، وأنهى كلامه بالقول "وهكذا تحول العالم ـ في ظل قهر داخلي وهيمنة قطب أوحد ذو مطامح تتعدى على حضارات الغير ـ إلى جوانتانامو كوني".