بالتعاون بين مؤسسات ثقافية عربية وأسبانية:

صدور النسخة العربية من أهم دراسة أسبانية عن ابن خلدون

الكتاب : ابن خلدون ..البحر المتوسط في القرن الرابع عشر، قيام وسقوط إمبراطوريات
الناشر : مكتبة الإسكندرية 2007 .
عدد الصفحات : 461 صفحة.

يعتبر ابن خلدون نتاج طبيعي للحضارة الإسلامية العربية، التي توهجت وبلغت ذروتها في القرن الرابع عشر، ونموذجا للعولمة والكونية التي نعايشها الآن، وكأنه ينتمي إلي عصرنا هذا ويبحث لنا عن حلول لقضايانا كمفكر حداثي.

ورغم رحيل العلامة العربي المنحدر من أصول أندلسية- منذ 6 قرون - إلا أن شعوب العالم تتزاحم للاحتفاء به عرفانا بما خلفته أطروحته الفلسفية من كنوز لن تجد من يثمنها ويجزل لها الشكر المستحق. لقد أثبت أنه عالم الاجتماع الأول بلا منافس وشهدت بذلك الماركسية المعاصرة، بل هو أهم مؤرخ؛ فقد أصدر أحكامه في الخبرات البشرية التي عايشها، وانتهج نهجاً علمياً في التصدي للتاريخ البشري عاكفا علي بحث العوامل الموضوعية لتقدم المجتمعات، لقد حاولت أعمال أدبية وأكاديمية وتراجم متنوعة تناول الأفكار الخلدونية بيد أن هذا الكتاب يعد دعوة للتمحيص في أفكار هذا العبقري من خلال التركيز علي بن خلدون الإنسان وتحليل أعماله التي اختلطت فيها فلسفة التاريخ بفلسفة المعرفة وفلسفة الحضارة .

يأخذنا الكتاب بما يشتمل عليه من مقالات في رحلة تاريخية عبر الزمان والمكان ..وبالأخص إلي القرن الرابع عشر مستعرضا أهم الأحداث والظروف السياسية التي عاصرها ابن خلدون، وما كان يعتري حوض البحر المتوسط من تقلبات سياسية واجتماعية واقتصادية كانت المخاض لولادة عصرنا الحديث .
 

يجسد الكتاب التعاون بين مكتبة الإسكندرية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) والمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في دولة قطر، لإخراج الترجمة العربية من هذا السفر القيم للقارئ العربي، فقد صدر هذا الكتاب أول ما صدر في إسبانيا ليوثق لمعرض أقيم العام الماضي تحت رعاية الملك خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا تحت عنوان "ابن خلدون .. البحر المتوسط في القرن الرابع عشر، قيام وسقوط إمبراطوريات".

يجمع الكتاب بين طياته 50 مقالاً علمياً فريداً تمضي بنا إلي عصر هذا العلامة المنحدر من أصول أندلسية بهدف تحليل الجوانب الإيجابية والسلبية بين الشرق والغرب، وصولاً إلي خلاصة مؤداها أن الأندلس بما تحمله من عبق الخبرة تمثل السيناريو الأمثل لتعزيز الحوار بين الحضارات، بعيداً عن دعوات الفرقة والتنابذ التي تسعي للتفريق بين بني البشر، وقد توجت هذه المقالات بمجموعة من الوثائق وصور المقتنيات ذات القيمة الفنية والتاريخية .

يقدم للنسخة العربية إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية، والمنجي بو سنينه المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والشيخ مشعل بن جاسم آل ثاني رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث بقطر . وقد احتوت النسخة العربية علي ترجمة للمقدمات الأسبانية لكل من مانويل شافيز جونثالث رئيس المركز الاجتماعي الحر بالأندلس، وميجل آنجل موراتينوس وزير الشئون الخارجية والتعاون الأسباني، وكارمن كالفو بوياتو وزير الثقافة الأسباني، وألفريدو سانشيز مونتسرين عمدة أشبيلية.

 
الكتاب يعد بانوراما تعرض تاريخ مصر، والجزائر، وتونس، والمغرب، وأسبانيا، والممالك المسيحية، وتاج أراغون، وجزر البحر المتوسط، وفرنسا، والمدن الإيطالية، والإمبراطورية العثمانية، جنباً إلي جنب مع ماركو بولو، وابن بطوطة، ودانتي، وبترارك، وأرثيبيستي دي هيتا وأخيراً، ابن خلدون، وسيرته، وأعماله، وأسفاره، والعالم الذي عاش فيه.


يحاول هذا الكتاب الإجابة علي العديد من الأسئلة المتشابكة، التي توصي بها سيرة حياة وأعمال مؤلف كتاب "المقدمة " في ذكري مرور ستة قرون علي وفاته مبرزاً الدروس المستفادة من خبرته التاريخية، ويحاول التأكيد علي المقاربة الإنسانية التي كانت من سمات العلامة بن خلدون في رؤيته للأحداث وفي التدليل عليها بالبرهان.

ويطرح الكتاب فرصة للتأمل في أفكار ابن خلدون الإنسانية حول التاريخ والحضارة، بما تنطوي عليه هذه الأفكار من نظريات ودلالات علمية واقعية الأمر الذي يلهم ضمائرنا بمثال فريد عن صلابتها، فقد وضع ابن خلدون تاريخه في إطار عالمي، وربط بين تاريخ العرب والبربر بتاريخ الشعوب الأخرى، وأعطي اهتماما أكبر للشعوب المسيحية في الشرق الوسط والشعوب الإفريقية لأنهم الأكثر ارتباطا بالشعوب العربية والبربرية، كذلك منح أهمية كبري للتأريخ للبيزنطيين والفرنجة حيث اعتبرهم الأكثر ارتباطا بتاريخ العرب والبربر من الصين والهند.