معنى الفن

 

 

 

 

د. منى عبد الغني

 

للفن معان متعددة تختلف فيها الرؤى.. ولكن للفن في عين "توفيق الحكيم" موضع خاص ربما ذابت فيه معظم تلك الرؤى..

 

يرى الحكيم – الذي مر على وفاته عشرون عاما منذ أسابيع قليلة- أن الفن هو الشيء الزائد على البراعة، والبراعة شرط من شروط الفن، ولكن ليست البراعة وحدها تصنع فنانا، والفنان.. هو الذي يبقى بعد البراعة، والشيء الزائد على البراعة هو الشعاع الخاص الذي له القدرة على النفاذ خلال طبقات الأجيال، فالفرق بين خاتم من الزجاج وخاتم من الماس - لهما نفس البراعة في الصياغة- هو "قوة إشعاع الماس"، ولإشعاع الماس درجات وألوان مختلفة، تختلف تبعا لها قوة الإشعاع وقوة التأثير..

 

وبالتالي القيمة المعنية والفوارق هي في "الإشعاع والزمن" والإشعاع غير البريق، فالبريق يخطف البصر ولكنه لا ينفذ إلى أعماق النفس وأبعاد الزمن وطبقات الأجيال، نعم الزمن هو البعد الرابع عند "أينشنتين" ولكنه البعد الأول في الفن الحقيقي، فهو مقياس ملموس لقيمة الفن، فكما يؤثر إشعاع الراديوم في خلايا الجسم؛ تؤثر قوة الإشعاع في عمل فني أصيل في خلايا المجتمع جيلا بعد جيل تعلمه وتهذبه وتثقفه وتطوره وتنير له سبل حياة تتجدد باستمرار.

 

فتاريخ الفن.. يدلنا على أعمال فنية كانت في غاية البراعة والبريق في عصرها ثم صدئت وانطفأت بعد ذلك للأبد، ويدلنا على أعمال فنية أخرى لم يكن لها مثل تلك البراعة والجاذبية واللمعة في وقتها ولكنها استطاعت أن تحتفظ بما لها من إشعاع داخلي على مدى العصور التالية.

 

والبراعة الفنية في ذاتها عنيفة لا تولد شيئا ولا تقوم إلا بذاتها، وأهمية الإشعاع الفني هي أنه يُحدث طاقة تتولد منها طاقات يُولد بعضها بعضا إلى ما لا نهاية، والماضي يعُج بالبراعات الفنية الباهرة التي نجحت النجاح السابق في وقتها، ولكن التاريخ لم يحتفظ لنا منها بشيء يُذكر، لأن باب التاريخ من بللور سميك لا ينفذ منه مجرد تصفيق للنجاح ولكن ينفذ منه "شعاع الجوهر" الذي ينفع الناس في كل عصر ويُولد الطاقات.

 

وذاكرة التاريخ الفني لا تشحن إلا بالإشعاعات والطاقات لأنها هي التي تدفع المحركات التي ُتسّير الإنسانية.

 

ترى ماذا ستحتفظ ذاكرة التاريخ الفني مما يحدث اليوم؟، وأين الفن في وقتنا هذا من معناه الحقيقي الذي صاغه لنا الحكيم؟..هل انطفأت كل معاني الفن ولم يتبقى منها سوى بقايا هزيلة سطحية باهتة، أم المعاني الحقيقية أبدا لن تموت؟!

 

تساؤلات كثيرة.. أطرحها عليكم للتواصل، ويبقى لحديثنا بقية..