العم طاهر

 

بقلم طاهر بخش


لو لم يكن هناك مرآة وكاميرات وصور, لما صدقت بأنني كبرت وتجعد وجهي وشاب شعري, ولو لم أكن محاطاً بزوجة حنون تحبني, وبأصدقاء طيبي القلب أحباء, لما كذّبت المرآة والصور واعتقدت أنني لم أزل فعلاً في طور الشباب, وهكذا منذ سنين أعيش متأرجحاً بين وقاحة المرآة التي تذكّرني بعمري, وبين رقة زوجتي التي تجعلني أصدقها بأنني شيخ الشباب.

وبين الاثنين كان الجواب يأتيني من حيث لا أدري, من أناس لا أعرفهم, ولم يسبق أن رأوني, ولأنهم كذلك كنت أميل إلى تصديقهم وشتمهم في آن, فقبل سنوات قليلة بدأوا بشبه اتفاق مناداتي بالعم بدل الأستاذ أو أخ, يومها لم أبلع هذه المزحة الثقيلة بسهولة, وصرت أكثر ميلاً لسماع رأي زوجتي التي كانت تطيب خاطري, وتؤكد لي أنني شاب غصباً عنهم, فأضحك في سرّي, وأردّ  لها المديح اثنين وأكثر.

وبصراحة, لقد تعودت على كلمة عم, وظننت أن الأمور توقفت عند هذا الحد, لا بل بدأت أحبّب نفسي بها, ففيها الكثير من الاحترام والهيبة والوقار, لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد, فقبل أيام زرت طبيب الأسنان بعد طول انقطاع, لأجد نفسي واقفاً والمقاعد ممتلئة من مختلف الأعمار والأشكال, لم يزعجني الأمر, وانتظرت إلى أن يفرغ أحد المقاعد, لكن فجأة رأيت أحد المراجعين ممن اعتقدته لأول وهلة في مثل عمري أو أقل بقليل, يقترب مني تاركاً مقعده ليقول لي بكل أدب وتهذيب: تفضل أجلس يا عم.. نظرت إليه ولم أستوعب المفاجأة, وقلت بعد تردد: لا بأس لا داعي لذلك, فأصرّ, وأصررت على موقفي شاكراً, كان شاباً مهذباً لا يضمر نية سيئة, وكان جاداً, بل ومسروراً لو جلست مكانه.. تفضّل يا عم.. كررها أكثر من مرة, كان الناس يتابعون هذا الحوار بدهشة, ولم أعرف إذا كانوا يستغربون هذا التهذيب الزائد, لكن في غير محله من هذا الشاب, وإنني لست أكبر منه بكثير, أو أنهم مندهشون من عنادي غير المفهوم, ورفضي لما يجب أن يكون في رأيهم خير هدية لمن كان في عمري, وبعد طول تردد استجمعت بابتسامة على عجل وقلت له شكراً يا أبني, وتوجّهت إلى المقعد الفارغ وجلست بكل هدوء, واتصلت بزوجتي, وقلت لها إنني عالق في زحمة طبيب الأسنان, وإنني نادم على زيارتي للطبيب, وأنني أفكر لو أقفز من الشباك إلى الدور الأرضي حتى أخرج منه, فقالت لي: ليش تقفز وش مفكر نفسك أبن 14 ؟