مزرعة الأخطاء 

 

أقلام .. نجاة المرزوقي

يبدو أن المشاكل الاجتماعية تشهد تزايدا يزيد من صعوبة تطويقها للبدء في علاجها أو مكافحتها إن لزم الأمر !

 

قرأت مقالا لإحدى الكاتبات تتحدث فيه عن كمية المساوئ التي يمكن أن يجنيها المجتمع نتيجة لقيادة المرأة للسيارة .. وبالرغم من أن ما كتبته يعد منطقيا ويلامس الواقع .. إلا أن المشكلة وصلت إلى حد يجعل معظم -إن لم يكن كل- ما ذكرته الكاتبة من مساوئ مترتبة يوجد فعلا على ارض الواقع .. وحتى قبل أن تقود المرأة السيارة !

 

هناك سياسة ما يتبعها المفسدون .. سياسة تتعلق بعرض فكرة خارجة عن المألوف ثم مزامنتها بعدد هائل من أشكال الغزو الفكري عبر جميع الوسائل .. وبينما نظل نهدر السنين بين شد وجذب حول الفكرة الواحدة .. نفيق لنرى ما حولنا غارق في مستنقع من الأفكار والسلوكيات الخارجة لنحتار في أي المشاكل نتحدث .. وأيها نبدأ في علاجه .

 

ومسألة قيادة المرأة للسيارة هي إحدى الأفكار الغير مألوفة على المجتمع .. وهي في الحقيقة ليست حاجة ملحة إذا ما كان أرباب الأسر والقائمين عليها يقومون بأدوارهم المطلوبة كما ينبغي .

ومنذ أن عرضت القيادة كفكرة قابلة للتطبيق حتى اليوم .. ظهرت خلال هذه الفترة تغيرات عارمة في سلوكيات وأفكار المجتمع وبخاصة مع ظهور جيل جديد من الشباب يمكن القول بأنهم أبناء الفضائيات منذ المهد .. وبالتالي  .. فمنذ ذلك الحين وحتى اليوم ظهر جيل جديد لا يحمل غالبا نفس الأفكار التي يحملها من سبقوه .. جيل تم تصميم فكره وسلوكه من قبل ليكون اشد تقبلا لأية أفكار غريبة أو خارجة أو حتى تافهة .. إضافة إلى تراجع القيم لدى الكبار مما هيأ الوضع لتطبيق الفكرة بالفعل حينما تخلى الرجل عن دوره كمسئول عن شؤون أسرته وخاصة فيما يتعلق بقضاء مشاويرها اليومية .

 

وبالعودة إلى الجيل الجديد الذي يبدأ غالبا بين أيدي الخادمات ويفتقد وجود الأب والأم عادة بحكم أن الجميع يعملون .. ولا يهم إن كان العمل حاجة أو مجرد محاكاة للصديقات والزميلات.. فنحن من الشعوب المميزة جدا في مسائل التقليد الأعمى .

نرى الطفل يدخل إلى المدرسة ليتعلم دروسا هشة بدافع أن التعليم في الماضي كان متخلفا وتعليم اليوم مدروس ويؤدي إلى مواهب فذة وشخصيات عبقرية !.. ولا ادري بحق كيف يجرؤ مثقف أو صاحب قلم على أن ينعت التعليم الذي تخرج من مدارسه بالتخلف والرجعية والتزمت .. بينما هو نفسه يدعي انه من الليبراليين !

 

وعلى أية حال .. يرافق تلك المسيرة قنوات فضائية تتنافس وتحاكي بعضها في إفساد الذوق العام والترويج للرذيلة والابتذال إلى حد مقرف .. وكل هذا يصب في عقل هذا الإنسان بل ويفرض عليه تأثيرا لا يمكن التخلص منه بسهولة خصوصا في ظل غياب الرقابة .

 

ومع أني أعارض فكرة الرقابة لأنها تعني دائما التحكم في حرية مكفولة لصاحبها .. وأفضل على ذلك التأسيس السليم والمشاركة الموجهة لأنها أكثر إقناعا وفائدة من مجرد مصادرة الحريات أو فرض الأوامر .. إلا أنني أوكد على أهمية التوجيه والإرشاد وان كان في صور غير مباشرة لتحفيز الآخر على أن يصل إلى السلوك السليم بشكل يشعر معه انه نابع من ذاته ورؤيته وقناعته الشخصية وليس اتباعا لرأي آخر مهما كانت علاقته به .

 

اليوم نحن نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا ونقرأ كثيرا عن آلاف الشباب والفتيات اللذين يحاكون نماذج غربية أو شرقية منحلة .. ليس فقط في الهيئة والثياب .. بل وحتى في طريقة التعبير وإبداء الانفعالات !

 

نرى آلاف الشباب المتسكعين في الشوارع بلا هدف سوى المعاكسات .. نرى عشرات ممن يطيلون شعورهم بشكل فج وكريه أو يصبغونها أو يلولبونها أو يحيلونها جدائل طويلة من واقع محاكاتهم لنماذج غربية تبدو جديرة في نظرهم باقتدائها .. طالما أصبحت وسائل التكنولوجيا هي المربي الأول .

 

والغريب .. إن كل ما تفرضه ثقافتنا الدينية أو العربية من مظهر للفرد كاللحية مثلا أو الجدائل .. كانت تعد إلى وقت ليس ببعيد قمة التخلف والهمجية والمنظر المقزز .. بل ويعاقب طويل الشعر بحلق شعره أمام الملأ لأنه خارج عن الذوق العام .. أما اليوم وبعد انتشار الفضائيات وشعبية النماذج الغربية لدينا .. أصبحنا نرى نماذج مماثلة لهم بيننا .. شكلا وسلوكا .. فليلطف بنا الله حتى لا يصل الأمر إلى محاكاة المعتقد أيضا فيضيع كل شيء .

 

ومن الشباب وحكايات "الكدش" والبناطيل ذات الأسماء الموحية بالشذوذ والمثيرة للاشمئزاز .. إلى الفتيات اللاتي يتنافسن في تكوين علاقات عاطفية مع شباب لا ينتمي إلى المسؤولية بصلة .. بإيعاز من البرامج الموجهة للإغراء بإقامة مثل هذه العلاقات ، والأغاني وغيرها من المواد .. وحكايات الهرب من الجامعات والكليات إلى المطاعم والكوفيهات للخروج في جماعات أو أفراد دون إذن مسبق من الأسرة .. أو لا مبالاة من الأسرة .. فكلا الحالتين سواء .. أو للخروج مع شباب في محاولة لعيش حالة من الرومانسية الواهمة .. والتي عادة ما تنتهي إلى مأساة .. أو عقدة نفسية !

 

العباءات .. والحجاب الذي تحول إلى مهزلة إما بتفصيل الجسد بشكل فاضح ومخجل .. أو بإظهار جزء كبير من الوجه و الشعر .. الماكياج الصارخ الذي لم يعد يراعي نهارا من ليل .. ومناسبة من سواها .. والسائقين اللذين يعملون طوال الليل والنهار لنقل الفتاة وصديقاتها من مكان لآخر .. بينما تنام الأسرة في بحر من العسل .. أو ترزح تحت وطأة المصاريف وكسب العيش .. أو تحلم بتحسن مؤشر الأسهم !

 

اليوم .. ماهو الفرق بين قيادة المرأة للسيارة أو خروجها وحدها مع سائق ؟! .. ماهي المشاكل التي ستزيد عن كل ماهو واقع .. المعاكسات ؟؟ .. فالمعاكسات على قدم وساق بينما السائق مجرد "عبد مأمور" فهو كما يرى البعض مجرد وافد أتى ليسكب قوته ثم يرحل .. وبالتالي فلن يستطيع الرد أو منع الشباب من معاكسة الفتاة التي تجلس من خلفه .. خصوصا إن كانت هي نفسها من تتفنن في لفت الانتباه إليها .. أو تستمتع بنظرات الإعجاب – الغير بريئة – والتي لا تدرك نهاياتها !

 

هل نخشى من خروج المرأة بالسيارة في منتصف الليل .. هاهي تخرج في منتصف الليل مع السائق الخاص أو سواه .. بينما الأب والاخ والزوج يقضي وقته في الاستراحة مع الأصدقاء الهاربين من المسؤولية .. أو في الأسواق لمعاكسة هذه .. أو يجلس في مطعم مع تلك .. أو يغط في نوم عميق .

 

وماذا علينا أن نفعل إذن .. هل نعيد تربية الأبناء .. أم ننشئ مدرسة لإعادة تأهيل أولياء الأمور حتى يتحملوا مسؤولياتهم .. ويراعوا شؤون بيوتهم .. ويتفقدوا أحوال رعيتهم .. ويبتعدوا عن المراهقات المتأخرة !

 

أو علينا أن نعيد تأهيل الفتيات اللائي يفهمن السعادة والحب بشكل خاطئ ولا يتقبلن النصيحة حتى يصلن إلى مرحلة الندم والألم عند فوات الأوان .. أو بعد خسارة العمر أو الكرامة ؟!

 

يبدوا لي أننا نحتاج إلى كل هذا .. ولكن ليس في مدارس أو عبر مناهج للكبار .. بل من خلال إعلام هادف وبناء يحترم دوره ويعيه .. إضافة إلى تعزيز دور الأمن ودور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وليتنا لا نتصيد زلات المصلحين لنحولها إلى قضية .. فالمجتهد خطؤه وارد .. كما انه من الصعب أن نعمم الحكم بالجهل والفشل على جهاز كامل من اجل أخطاء فردية.. فمن كان يصد ويواجه الانحرافات طوال ما مضى من السنين إن لم يكونوا هؤلاء إذن ؟!

إضافة لذلك .. فمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المفترض ألا تقتصر على أفراد جهاز واحد .. بل هي واجب على كل مسلم .. وبالتالي فهي لا تفترض شهادة عليا .. فالحلال بيّن والحرام بيّن .. كما انه من النادر جدا في وقتنا الحاضر أن يكون هناك أشخاص غير متعلمين في قطاع ما إلا بشكل محدود جدا .. أما من يحاول خلط الأوراق .. فعليه أن يحتفظ بجهده وفكره للحديث عن مشاكل حقيقية تحتاج إلى حلول وتنخر كالسوس في المجتمع بدلا من تناول أحداث فردية ليعممها .

 

إن مشكلتنا الآن تكمن في مواجهة الفساد .. وليس في مواجهة الإصلاح كما يحاول أن يجرنا إليه أناس إما انه مغرر بهم أو ربما حمقى بحيث لا يدركون ما يمكن أن يصل إليه المجتمع إذا ما انصاع لأفكارهم وآرائهم .. فالإصلاح وان كان فيه بعض النقص أو العيب فهو على الأقل ينطلق في مساره الصحيح .. بينما الإفساد يستشري .. ويحتاج إلى تضافر الجهود لصده قبل أن يأتي على الأخضر واليابس .. ولعلنا ننظر إلى مستوى الفساد الذي تزايد خلال السنوات الأخيرة لندرك كم يحتاج المجتمع إلى جهود لتفعيل مكافحته حفاظا على سلامته .. فالفساد دائما ما يقود إلى الجريمة وهو مالا يطيقه أي مجتمع .

 

علينا إذن أن نتنبه لما نحن فيه .. وان نؤمن بوجود أخطار محدقة .. وأفكار هدامة تطل علينا .. وتنتشر في أوساط شبابنا بحدة .. نحتاج إلى صدها ومحاربتها بكل جد وإيمان . وتبدأ المواجهة بالإصلاح من أنفسنا .. وتحمل مسؤولياتنا.. فلو استشعر كل منا مسؤوليته تجاه أسرته على الأقل لزالت كثير من الصور السلبية التي نشاهدها كل يوم .. وفي كل مكان !

 

يقول أكرم الخلق :    " كلكم راع ٍ .. وكلكم مسئول عن رعيته "