|
الشعر و ظاهرة التمرد |
بقلم: علي حسين الباشا - أقلام
|
الشعراء على الأغلب- هم أناس متمردون على الواقع الذي يعيشون فيه، وبما أنّ ظاهرة التمرد تختلف من شاعر لآخر.. فهي إذاً صفة تتعلق بشخصية الشاعر و عمق فكره و قريحته الشعرية و إمكاناته اللغوية و ملكته العقلية.
وبما أن ظاهرة التمرد في الشعر– ليست بصفة ذميمة فظاهرها لا يشير إلى باطنها بالضرورة- على أية حال هناك- حسب تصنيفي- ثلاثة حالات لظاهرة التمرد في الشعر: (1) التمرد الشكلي. (2) التمرد التقليدي. (3) التمرد الفكري.
تتجسد هذه الحالات الثلاثة في شريحة كبيرة من الشعراء سواء المعاصرين أو الأقدمين و لعل الأمثلة التالية تزيح الغموض و توضح الفكرة: - شاعر التمرد الشكلي: هو شاعر لكعي لا يتحلى بأي صفة من صفات الشعراء و لا ينتمي إلى أية مدرسة فكرية و لا عنده من رصيد يسهم به سوى أنه يرغب بأن يكون "شاعراً " هكذا برصف الكلمات أو بنثرها على شطرين من بيت شعري ، فيتهيأ له أنه استشعر أو نظم شعراً.. هذا الشاعر ليس بالضرورة أن يكون متعلماً أو مثقفاً أو أن يكون من ذوي المهارات.. إنه من العامة التي إن كتب كلمتين منمقتين شعر بأنه يجب أن يروم الشعر و أن يثاقف الشعراء و يباطح الفحول.. ثم ينقلب على عقبيه من محاولة بسيطة إلى أخرى أبسط منها. هذا التمرد الشكلي هو عبارة عن تلاعب و سرقة ألفاظ و تغيير مفردة مكان أخرى و قلب الشكل..هي ظاهرة قريبة جداً لما يسمى" بالبوليش" أو طلاء الكلمة .. وبالتالي هو الشكل غير الحقيقي للشعر لما هو حال " قصيدة اليوم ".. هذا النوع من البشر قليلي الإحساس و الوجدان و لا يمتون بصله إلى الشعر.. و هذه الظاهرة الشكلية هي مجرد محاولة لصياغة النص بشكل مختلف.. هذه الظاهرة سريعة التكشف و لا تدوم طويلاً في الشعر " إذ يذوب الثلج و يظهر المرج". مثالهم كثيرون ممن هم في الساحة الشعرية اليوم و لا يتسع المجال لذكر الأسماء؟؟؟؟ و قد علق أحد النقاد على شعراء اليوم قائلاً: إن 95% من شعراء اليوم لا يحسنون كتابة الشعر لأنهم لا يعرفون ما هو الشعر في الأصل و بالضبط , و أذكر أن الروائي الكبير ( حنا مينة ) قد صرح في لقاء مع التلفزيون جرى منذ سنتين , أن ما صدر في عام واحد من كتب ما يسمى بالشعر بلغ ( 3000 ) ديوان 2 أو 3% من هذه الدواوين تقرأ و أما الباقي فيجب ألا يحسب أو يعتبر شعراً , و إنما هو صف كلام و هذيان ورموز و ألفاظ لا تعني شيئاً , و الأفضل عدم قراءتها , و هنا نصل إلى أن معظم هذه الكتب الشعرية هي من ما يسمى بقصيدة النثر , أو الشعر المنثور و الأجدى تسميته بالنثر الفني أو الجميل إذا و صل إلى مرتبة الفن و الجمال ." أ.هـ. - شاعر التمرد التقليدي: هو شاعر متمرس في حالات التقليد و لكنه غير متمكن منها.. عنده القدرة على تقليد الأشياء بشكل أعمى و بشكل عفوي دون إجادتها، يلتف على الفكرة و يروضها دون أن ينتبه إلى مدى خطورتها.. له من اسمه الكثير..وعنده من الأدب الكثير.. و قدراته تفوق مما نتصوره الكثير... هذا الشاعر إنسان مقلد يحاكي أفكار الآخرين و يقتبس من فكرهم و مذهبهم الأدبي – يجنح إلى مداعبة أفكار غيره و يقترب من قول الحقيقة إلى أبعد ما يمكن.. لكنه يبقى متحيزاً لغيره يحاول أن يظهر بقالب جديد و يدافع عن فكرته باستماتة.. و ينفي تقليده للغير.. لكنه يعرف في قرارة نفسه أنه شاعر مقلد- يجيد هذه الصنعة ببراعة و لكنه لا يستطيع أن يتجاوز نفسه.. الساحة الشعرية مليئة بهذا النوع من الشكل التقليدي للشعراء.. و كل يحاول أن يثبت نفسه في صناعة الشعر. لعل بعضاً من شعراء الجاهلية يمثل هذا التيار منهم: طرفة ابن العبد الذي قال معبراً عن انخراطه في تقليد" قبيلته غزية" منكمشاً على نفسه فيها ملتزم بعاداتها و تقاليدها لا يخرج عنها أو عن تعاليمها مقلداً بذلك كبار الشعراء من معاصريه: و ما أنا إلا من غزية إن غوت غويت و إن ترشد غزية أرشد و منهم أيضاً إبراهيم طوقان الذي لا يخرج عن دائرة الفكرة الموجودة عند غيره محاكياً إياها قائلاً: شوقي يقول و ما درى بمصيبتي قم للمعلـــم وفـــــــــــــــه التبجيلا حسب المعلم غمة و كآبــــة مرآى الدفاتر بكرة و أصيلا بالمناسبة يوجد ثلاثة أنواع من التقليد في الشعر:- التقليد العفوي (إذ يجد الشاعر نفسه قد قلد فكرة غيره تماماً دون أن يعلم بذلك) – التقليد الأعمى (وهو ما يكون فيه الشاعر في أردئ أنواع التقليد إذ يتبع غيره بكل معرفة و دراية و لو دخل جحر ضب لدخل خلفه). – التقليد المتقن (يكون فيه الشاعر قد تقمص فكرة غيره و دخل بها و حاول أن يكون له من خلالها رأي مستقل.. في ذلك يجيد الشاعر هنا التقليد باحترافية عالية و محاكاة الشكل و المضمون على حد سواء). - شاعر التمرد الفكري: هذا الشكل من الشعر هو أعلى و أرفع أشكال التمرد في الشعر.. إذ ينقلب الشاعر على فكر مجتمعه الراكد و يدخل فيه نوع من الثورة والتحدي..هذه الظاهرة هي التي تثبت خاصية الفحولة عند الشاعر في الشعر العربي.. في هذا الشكل الكلمات و المفردات و العبارات هي التي ترجو الشاعر أن يكتبها و ينظمها و يرشفها. كل الأشياء مسخرة للشاعر.. الشاعر هنا عنده القدرة على أن يختصر الزمان و المكان و يملأ الدنيا و يشغل الناس في التفكير بشعره و كلماته و تركهم لساعات سابحين في بحوره متأملين سعة أفقه و جزالة شعره و إحكام صياغته .. فبكلمات قليلة يعطي معاني كبيرة.. هذه هي الثورة في الشعر.. التي يكون فيها الشاعر شاعراً مبدعاً متفرداً بذاته و كلماته .. لا متملقاً أو متسلقا أو متلصصاً.. تصنفه الناس بدور الريادة.. فالفكرة التي يأتي بها الشاعر لم يسبقه إليها أحد.
في هذه المرحلة يمكن أن يعين الشاعر نفسه ملك الجهات الأربعة ، أو أن يقرر عن أصحاب القرار، أو يسبي النساء في خدورهن أو أن يسلب أو يطعن أو يقتل أو ينفي أو يأسر أو يقول مالا تستطيع الناس قوله.. فيكون شعره "سهلاً ممتنعاً " ..مفرداته بسيطة .. معانيها كبيرة جداً لدرجة أنها تعمي و تصم.. تشعر أنها سهلة تقولها و تعرفها ببساطة و لكنك لا تستطيع أن توظفها كما يوظفها الشاعر. أمثال هذا التمرد الفكري هم كثيرون منهم على سبيل المثال: * أبو الطيب المتنبي الذي قال مبيناً قدرته الشعرية أي هو يقول الكلمة بكل بساطة و دون تكلف، ومعاصريه يجلسون و يحسبون و يسهرون الليالي ليرتقوا لمستواه: أنام ملئ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق من جراها و يحتسب * و منهم نزار قباني الذي قال يصف امرأة و لكنه يخاطب بلده: زيتية العينين لا تقلقي يسلم هذا الشفق الفستقي قميصك الأزرق من يا ترى باعك هذا اللون قولي و اصدقي ..! أَمِن السين خيطانه أَم من الدانوب لونَه الأزرق * أما من شعراء النبط في جزيرة العرب – دون منازع- الشاعر الأمير سعود بن بندر الذي قال مجسداً تدرج الألم عند البشر من أدنى و أصغر أنواعه إلى أقصاها و أشدها و أصعبها عند الإنسان في بيت يظهر فحولته الشعرية: يا ليتني بينك و بين المضرة من غزة الشوكة إلى سكرة الموت وقد يتهيأ للبعض أني أحابي لأمير القلوب/ تركي بن بندر بهذا التصنيف.. أقول لهم أني لم آتي بجديد و لا بشي من عندي فسعود بن بندر أكبر من أن يصنف شعره رجل مثلي وهو من تشهد له قصائده التي مازالت تركب البحر و تتحدى الأمواج..فهو اسم تقف أمامه الأقلام ..شاعر يفوق الخيال..و هو الفيلسوف الذي تحدث شعراً..يتمثل ذلك في بيته: موت القلوب يفوق موت الرجاجيل شوف العيون و مايبي له شطاره
في الختام ، أقول يا أيها المستشعرون اتركوا الخبز لخبازه .. وحاولوا احتراف مهنة تناسب قدراتكم .. فقد "ضيع الشعر الشعير".
|