الكنتاوي لبكم

 

إذا لم تستح من المشاهد العربي...فأطلق القناة التي تشاء

 

 

 

أمام السيل الجارف للقنوات الفضائية العربية بمختلف توجهاتها الفكرية والسياسية و الاجتماعية و الثقافية والرياضية، يجد المشاهد العربي نفسه أمام مجموعة من التناقضات التي تربك المشهد الإعلامي العربي أمام متابعيه و أمام العالم الغربي، فبدء من الفكر العام للعديد من القنوات الفضائية العربية نجد أنها تمارس نوعا من الاستخفاف بالمشاهد فهي إما مكرورة البرامج أو داعمة لبرامج  لا علاقة لها بالهوية العربية، في مجملها استنساخ لبرامج أجنبية لها شروطها و ظروفها الاستهلاكية، فبرامج المسابقات الغنائية التي تعتمد على تصويت المشاهدين وعلى  البث الحي تستغبي المشاهد وتدفع به إلى سلوك نمط مشاهدة مبني على الإثارة وتهييج الغرائز، وحتى البرامج الثقافية سلكت نفس الاتجاه مع العلم أن الاهتمام بالثقافة يعد واحدة من الرهانات الخاسرة حسب ما كان يدعيه ملاك القنوات، لكنهم وجدوا الحل السحري باستثمار أدوات البرامج الغنائية والترفيهية وزجها في المناخ الثقافي بدعوى إشراك الجمهور العربي. ولو تناولنا الجانب الفني والتقني للقنوات العربية فإن اغلبها يعاني من رداءة فنية ومن تجهيزات لا ترقى إلى طموح المنافسة إذ لايخفى على الإعلاميين و المهتمين بشأن جماليات القنوات الفضائيات أن العديد من الدول الغربية صنفت الكثير من القنوات العربية في خانة القنوات المحظورة ليس بداعي توجهاتها الفكرية والدينية أو الإجتماعية و السياسية بل لأنها لا ترقى إلى شروط البث الحي من ديكور و أمور فنية أخرى.

لقد تناسلت القنوات الفضائية العربية وتم تحرير القطاع السمعي البصري في العديد من الدول العربية حتى ظهرت قنوات لرؤوس أموال خاصة لا تفقه العمل الإعلامي ،غامرت بأموالها و أكثرها استثمر في القنوات الترفيهية المبنية على مسابقات تافهة تخدع المشاهد العربي بربح الأموال الطائلة،و كذلك القنوات الموسيقية التي تكرر أغاني تتشابه من قناة إلى أخرى، قنوات تستغل الشات لضخ الأموال في خزينتها.

مؤخرا تم نشر تقرير عالمي يشير إلى كارثة تحدق بالمجتمع العربي قبل الغربي،في هذه السماء المفتوحة لكل قناة، وهي أن مايفوق 100 قناة جنسية تابعة لرؤوس أموال عربية، وهنا لا يسعنى القول سوى إذا لم تستح من المشاهد العربي فأطلق القناة التي تشاء، وبعض النظر عن رواج هذا النوع من القنوات المدمرة في العالم الغربي فإنه جديد في عالمنا العربي، وحقيقة تطرح أكثر من سؤال أهمها إذا كنا في الكثير من المحطات نحذر من الغزو الثقافي الغربي كيف تسمح لنا أموالنا أولا و ضمائرنا بتخريب مجتمعاتنا؟ هل سنعلق الأمر على شماعة الغرب مرة أخرى في هذه الحالة؟

في الحروب و الصراعات السياسية تتناسل قنوات توجه الشر نحو النعرات الحزبية و الدينية و القبلية، وهذا النوع من القنوات تخريبي أيضا، سلاحه فكر مريض وضيق، يوجه المعطى الديني و القبلي و السياسي نحو خدمة أهدافه مستغلا أميتنا الفكرية و الثقافية والدينية أيضا، فكثير من القنوات التي تعمل تحت غطاء ديني تؤطر وتوجه متابعيها نحو مرام خطيرة أقلها أن يتيه مفهوم الإسلام الحقيقي المتسامح و يختلط مع أوراق الكذب و الفتوى المزيفة التي تهلك الشباب.

والمتتبع لفضائياتنا الإخبارية الجديدة، فهي إما معتمة للحقيقة مزورة للوقائع، أو غوغائية تحيد بالمصداقية وبالرأي و الرأي الأخر صوب صراعات ديكة تنتهي بالشتم، كأن مثقفينا ومفكرينا لا يجيدون سوى التلاكم بالأفكار و التلاسن بالكلمات البديئة.

إن واقعنا الإعلامي العربي في شقه الفضائي يحتاج إلى إعادة نظر مهنية أولا قبل طرح مواثيق الشرف التي تستهدف البعد الأخلاقي في ضرورة إتباع توصياتها، نحتاج إلى تربية فكرية تتناسق مع الطرح الإعلامي الذي يواكب المجتمع و ينتقده و يطرح أسئلته و يوجه أفكاره و يصيغ حلولا لأزماته، لا إعلاما يكرس الفتنة و البلاهة و النظرة الدونية لقصورنا أمام مجتمع غربي يبدو انه سيصبح أكثر محافظة منا و أكثر حرصا على مجتمعاته وهي الفكرة التي لا يريد تصديقها الكثيرون.