الغيرة والحسد عند النساء

 بين الوهم والواقع

تحقيق / طاهر بخش

 

قد تحس المرأة ببعض مشاعر الحسد تجاه امرأة أخرى, وليس من الضروري أن يكون هذا الإحساس مشوباً بالرغبة في زوال النعمة أو بمشاعر الكراهية تجاه الطرف الآخر, وإنما قد يكون مجرد غيره تدفع إلى تغيير الواقع وتحفز على إصلاح الذات والارتقاء بالنفس.

أن المرأة قد تركز نظرها على امرأة أخرى لتعرف ما إذا كانت أكثر نحافة أو أكثر رشاقة أو اصغر سناً ولباقة, أو أكبر وأغنى جاذبية وملاحة, أو أقدر على التوفيق بين العمل والبيت والعلاقات الاجتماعية... الخ.

على أي حال, تميل المرأة في كثير من الأحيان إلى مقارنة نفسها بغيرها, فعلى سبيل المثال إذا رأت امرأة أخرى شقراء جذابة رشيقة القوام حسنة الهندام وهي تصعد على الميزان في أحد النوادي الرياضية, ليظهر الوزن منسجماً مع الطول, فإنها تغبط المرأة الأخرى على هذه النعمة, وتشعر بهاجس المقارنة بينها وبين تلك المرأة, لتنتهي المقارنة لصالح الأخرى, وإذا رأت حواء سيدة أخرى تركب سيارة فخمة  فإنها تقارن مستواها المادي بمستوى تلك السيدة, وإذا عملت بمكتب كانت رئيسته سيدة جميلة ذكية تتمتع بالشباب والجاذبية والنفوذ فإنها تتمنى لو كانت مثلها, وتتم المقارنة بطريقة تلقائية لتتحسر حواء على وضعها ومكانتها, ولتخرج المرأة الأخرى فائزة في مجال المقارنة, والنتيجة عادة تكون شعوراً بالنقص, وضعفاً في الإحساس بالقيمة الذاتية وهي نتيجة سلبية حتماً.

تقول نوره العلي: إذا استمرت سلسلة المقارنات على هذا النحو, فإن المرأة يمكن أن تصبح فريسة لمشاعر الاستياء والغضب وعدم احترام الذات ولن أبالغ إذا قلت إن عدداً كبيراً من النساء يجرين مقارنات متواصلة بينهن وبين غيرهن من السيدات في مجال المظهر, والرشاقة, والمستوى العلمي والثقافي,  والمركز الاجتماعي, والعلاقات العاطفية, والاستقرار الأسري, والوفرة المالية, والجاذبية, والكفاءة الجنسية.. الخ, وقد تبرر بعض النسوة مثل هذه المقارنات قائلات إن هذه هي طبيعة المرأة وعادة الإنسان منذ قديم الزمان, لأنها ترتبط بحب الحياة وشرب كأس الشباب والجمال حتى الثمالة.

أما طارق العبد الواحد فيقول: إن كل إنسان يحب أن يكون هو المميز باستمرار, فإذا تميز أحد عليه فإنه يشعر بالغيرة والقلق, ويسعى جاهداً إلى تعويض النقص, والمرأة هي أول من يجري هذه المقارنات, وأول من يحاول تحديد مكانه في المعادلة مع الغير.

يقول الطبيب النفسي ( ناثانيل براندي ) مؤلف كتاب ( احترام المرأة ذاتها.. الكفاح والنجاح بحثاً عن الهوية ), إن المقارنات العادية ظاهرة صحية لأنها تتطلع إلى جوانب إيجابية في الآخرين والأخريات يمكن تقليدها لرفع مستوى المظهر والسلوك والأداء, إلا أنه ينبغي على المرأة عدم المبالغة حتى لا تتحول المقارنة إلى وسيلة لتكبيت الذات وهوان الشأن والاعتقاد بأن الآخرين أو الأخريات  أفضل منها.

وتقول فاطمة العيدان: على أي امرأة أن تعرف أن في نفسها الكثير من النواحي الإيجابية التي قد لا تفطن إليها بالرغم من أنها موجودة, لهذا ينبغي عدم الإسراف على النفس وهز الثقة بها, وإذا كانت المرأة تشعر بوجود بعض العيوب في جسمها  (كإحساسها بوجود دوالي في ساقيها مثلاً) فان هذا الشعور غالباً ما يستند إلى أفكار لا توجد إلا في رأس صاحبتها, وكثيراً ما تكون هناك عيوب في أجسام النساء الأخريات ولا تفطن إليها المرأة لأنها تركز على سيقان غيرها من النساء فقط.

ويقول خالد الزهراني: هذه المقارنة التي تجريها المرأة في مخيلتها تكتسب في نفسها أهمية أكثر من اللازم, والسؤال المطروح هو: لماذا تعتبر حواء أي مقارنة مع امرأة أخرى ضرورية ؟ وبعبارة أخرى: لماذا تعتبر حواء المرأة الأخرى نداً لها في مثل هذه المقارنة؟

إن على حواء أن تقنع نفسها بأن الأخريات لسن مقاييس نموذجية, بحيث يتم تقويم الذات استناداً إلى هذه المقاييس, ومن الناحية العملية هناك طريقة مفيدة جداً وهي القيام بعمل إيجابي إذا كان سيؤدي إلى نتيجة مؤثرة, فإذا كان هناك شيء يقلق حواء فيما يتعلق بوجود عيب ما, وهذا العيب يمكن إصلاحه أو تغييره فليس هناك ما يمنع البدء في الإصلاح (مثلما هو الحال بالنسبة إلى السمنة, أو الدوالي, أو التجاعيد, أو حتى انخفاض المستوى المادي والعلمي ), فهناك النوادي الرياضية, ومعاهد التخسيس, والعيادات, والمدارس والمراكز الثقافية والتدريبية, وفرص العمل الإضافية ..الخ.

أما بالنسبة للأشياء التي لا يمكن تغييرها ( كالطول واللون) فإنه من الأفضل لحواء تقبل الوضع كما هو والتكيف معه, لأنه ليس من صالح حواء معاداة النفس وإثارة مشاعر السخط السلبية, والأفضل هو الرضا بالواقع ومحاولة الاستفادة منه ما أمكن.

إن على المرأة  ذات الدوالي بالساقين أن تتوقف عن انتقاد ذاتها, وأن تقول لنفسها إن الساقين الكاملتين شيء والحياة الكاملة شيء آخر, كما ينبغي أن تقول في نفسها إن المرأة الأخرى لديها ساقان جميلتان, لكن من المحتمل جداً أن تكون هناك عيوب أخرى في جسمها لا تعرفها.

وعلى المرأة أيضاً أن توحي إلى نفسها بأنها تنوي النظر إلى نفسها نظرة شمولية أفضل, واًن تتخلى عما يمكن تسميته بالحديث السلبي عن الذات.

وتقول تغريد الدريبي: بإمكان المرأة أن تراجع نفسها مراجعة سريعة, وأن تتخيل أن شخصاً آخر ينتقدها بالطريقة ذاتها التي تنتقد بها نفسها, في هذه الحالة ستدافع المرأة عن نفسها وترى أن منتقدها شخص تافه أحمق, وعلى المرأة أن تدافع عن نفسها ضد نفسها بهذه الطريقة, ومن المفيد حقاً أن تضع المرأة قائمة بالأشياء الممتازة التي تتعلق بها في مختلف المجالات ( العمل- العلاقات الاجتماعية- الأسرة.. الخ ) ويمكنها أن تستعين برأي أفراد أسرتها وصديقاتها وزميلاتها, ومثل هذه القائمة ترفع روح المرأة المعنوية وتوقف تفكيرها في السلبيات وانتقاد الذات.

ويقول أحد رجال الأعمال لا نستطيع أن ننكر حالات الحسد والغيرة بين النساء في مجال العمل, وكيف تلجأ بعضهن إلى الكيد للبعض الآخر, إن ذلك يحدث لأن العمل أصبح عاملاً مهماً من عوامل حياتنا اليومية, ونقلت النساء مجال المنافسة من دوائرهن الاجتماعية (التي كن يتناقشن فيها عمن هي الأجمل, أو الأرشق, أو التي لها زوج أكثر نجاحاً وتوفيقاً في حياته ) إلى دوائر العمل حسب طبيعة العصر الحديث, لذا على المرأة أن تدرك أنها إذا أضاعت جهدها ووقتها في المقارنة بينها وبين غيرها من النساء, فإنها تضيع طاقتها في ما لا طائل منه, بدلاً من التركيز على الأشياء الأكثر أهمية.

قد تكون المرأة غير متزوجة وتنظر بعين الاهتمام والحسرة إلى امرأة أخرى غارقة إلى أذنيها بحب رجل وسيم تتجه إلى الزواج منه, أو أنه تزوجها فعلاً وتخرج معه متأبطة ذراعه, في الوقت الذي لا تزال فيه وحيدة, هذا الشعور بالغيرة يمكن التخلص منه بسهولة, وفي هذه الحالة تسأل المرأة نفسها لماذا تريد الرجل الآن.. وبإلحاح؟ إن عليها هي وحدها أن تحدد أهدافها بدقة في الحياة, وبالذات في المرحلة التي هي فيها الآن, ومن المفيد بالنسبة للمرأة أن تحدد بنفسها مفهوم قيمتها الذاتية, وماذا يسعدها في هذه الحياة, وقد تكشف المرأة في هذه الحالة أنها تعطي الحب والعلاقة الغرامية أهمية أكثر من اللازم, كأداة لإثبات قيمتها الذاتية.

تقول الإعلامية زكية البلوشي: من الطبيعي أن تحلم المرأة بالحب في حياتها, فهذا شي عادي, لكن لماذا لا تقارن نفسها بنفسها حتى ترى أنها تقترب تدريجياً من هدفها؟ وغالباً ما تكون المرأة ذات وضع اجتماعي جيد وعلى صلات طيبة مع الآخرين.

إن الوقت لابد آت لتحقيق أعز الأماني والأحلام, وبدلاً من الشعور بالغيرة أو الحسد تستطيع المرأة أن تستمتع برصيدها الذي تملكه من حسن الخلق والسمعة الطيبة والجمال الهادئ والمكانة المرموقة والصحة الجيدة, وغير ذلك من الإيجابيات الكثيرة التي قد لا تفطن إلى وجود الكثير منها.