|
|
بعد صعود "جول" وحزب العدالة والتنمية
مجاهد مليجي |
|
|
|
| بعد صعود "جول" مرشح حزب العدالة
والتنمية إلى رئاسة الدولة التركية صاحبة التراث المعادي للهوية الإسلامية
ومظاهرها لاسيما الحجاب، اختلفت الآراء حول مستقبل الثقافة التركية في ظل
تمكن حزب العدالة من الرئاسة ومن الحكومة لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث..
ما بين من يتوقع عدم الدخول في معارك جديدة والبعد عن الصدام والوصول
المتدرج للهدف، بينما يرى آخرون إبراز هوية تركيا الإسلامية سيكون على رأس
الأولويات، وثالث يرى أن المنتظر أن يكون هناك لاعبين جدد على خط العدالة
والتنمية وهم القوميون الذين قد يطرحوا رؤى قريبة يتبناها العدالة وينسق
معها الأدوار حتى لا يصطدم بالكماليين. طرحنا القضية على عدد من المهتمين والمتخصصين للوقوف على ملامح مستقبل الثقافة في تركيا خلال سنوات حكم جول.. تجديد الثقافة في البداية تؤكد الكاتبة الإسلامية "صافيناز كاظم" أن جول لن ينتج ثقافة جديدة بل مجيئه كان نتيجة وجود ثقافة إسلامية متأصلة موجودة بالفعل رغم أن ثقافة العلمانية التي سادت لأكثر من 80 عاما وتوغلت في جوانب الحياة ومظاهرها المختلفة فشلت كل محاولاتها لقتل الثقافة الإسلامية؛ وليس أدل على ذلك من فوز عبد الله جول في انتخابات الرئاسة بنسبة كبيرة على منافسيه العلمانيين. وأضافت أن العلمانية رغم تعصبها واحتكامها إلى البطش والتنكيل في صورة المؤسسة العسكرية التي وصلت في وحشيتها إلى درجة أنها لا تصافح رئيس الجمهورية المنتخب، وتمنع زوجة رئيس الوزراء المحجبة من دخول قصر الرئاسة لهو دليل على أنها عقلية ناتجة من ثقافة تافهة وهي ثقافة العلمانية الإستئصالية الأتاتوركية. مشيرة إلى أن وجود عبد الله جول على رأس الدولة التركية وزميله طيب أردوغان على رأس الحكومة هو نتاج ثقافة إسلامية لم تنمحي خلال عقود عديدة، رغم هيمنة ثقافة علمانية سطحية لا جذور لها في أوساط الشعب التركي الذي صوت لصالح أبناء الثقافة الإسلامية الأصيلة بالاقتراع الحر المباشر والديمقراطي، رغم أنهم وضعوا أمامه كل العراقيل . كما اعتبرت وصول جول لمقعد الرئاسة في تركيا بتوجهه الإسلامي ناتجا من أرضية لها قاعدة كبيرة رغم محاولات العلمانيين افتعال صدام بسبب حجاب زوجته وزوجة رئيس الوزراء المحجبتان، وهو ما يفصح عن وجه العلمانية القبيح الذي يفرض على القاعدة الكبيرة من الشعب التركي منع استكمال تعليمهم بسبب الحجاب ويضعوا الأغلال والقيود على الحرية الدينية، فالعلمانية التركية علمانية متوحشة بوصفها تنزع نفسها من رحمة الله، وبالرغم من أن جول أكد أنه سيحترم مبادئ العلمانية ويحترم قوانينها إلا أن ذلك لم يرضى عنه العلمانيين. تضيف كاظم: "الشعب التركي رغم ما تعرض له من عملية طمس للهوية الإسلامية إلا أنه ظل محتفظا بهويته وجذوره الإسلامية المتأصلة، وطوال الفترة الماضية لم يتزحزح عن تلك الهوية حتى جاء اربكان وجول وباقي الفريق ليستقي من وجدان الشعب التركي هذه النتيجة بفوزه في الانتخابات". وعن مستقبل الثقافة في ظل فترة رئاسته أكدت صافيناز أنه بالضرورة سيواجه تحديات وعقبات وسيقابل صراعات ومناوءات كثيرة جدا كما واجهتها حكومة حماس من قبل، لكنه بالتأكيد سيتغلب على كل تلك الصراعات والتحديات باعتباره رئيسا لحزب له خطته ويتمتع بنسبة كبيرة من الذكاء كما أن له أجندة يحاول تطبيقها ويتحرك على أرضية يعرف شعوبها جيدا. أخلاق وتربية ومن جانبه يؤكد الدكتور "كمال حبيب"، الباحث السياسي المتخصص في الشأن التركي، أن هناك قاعدة عامة في مسالة علاقة الثقافة بالسياسة في تركيا وهي أنه كلما كان هناك إسلاميين في الحكم أو مشاركين في السلطة؛ تظهر شروط وضع القيم الأخلاقية والتربية الروحية في الاعتبار، ويتبعها فتح عدد كبير من مدارس الأئمة والخطباء التي ظلت مرفوضة من الأحزاب اليسارية عقودا عدة حيث يدرسون اللغة العربية وأصبح لهم الحق في دخول الكليات الأخرى كالعلوم السياسية والتجارة وغيرها، وهذه سياسة ثابتة مع وصول الإسلاميين في أكثر من ائتلاف منذ 1972 وحتى الآن. ففي أيام حكم عدنان مندريس في الستينات؛ شهدت تركيا الإحياء الإسلامي الثاني وكان أتاتورك فرض الآذان باللغة التركية ودرس نظرية دارون وجاء مندريس فأعاد الآذان باللغة العربية، والقران في الإذاعة لأول مرة بعد أتاتورك، ونظمت دورات دينية في الجيش، ودورات للائمة والخطباء، وبدأت ترجمات واسعة لمؤلفات مفكري الحركات الإسلامية في العالم من بينهم العلامة الشهيد سيد قطب، والشهيد حسن البنا والشاعر محمد إقبال وآخرين، كما نشطت الاتحادات الطلابية، ونشطت الجمعيات التي لها جذور إسلامية. وعند سيطرة حزب الشعب الكمالي منذ 1924 وحتى عام 1946 شهدت الحضارة والثقافة الإسلامية نكسة كبيرة طوال هذه السنوات فضلا عن أن أتاتورك نص على 8 مواد في الدستور تمنع تغييره لاسيما المواد التي تنال من الثقافة الإسلامية. وحزب العدالة والقائمين عليه هم نتاج مبادرة عدنان مندريس أبناء جيل الستينات وهم جزء من الحركة الإسلامية التي يعبر عنها اربكان، إلا أنهم التزموا قواعد معتدلة في اللعبة السياسية بأنهم متمسكين بهويتهم الإسلامية ويأخذون بجزء من العلمانية الأوربية الديمقراطية، كما أن أوربا تتمسك بالمسيحية هوية لها. يضيف حبيب: "من المنتظر في ظل الحكومة الإسلامية الثالثة للعدالة والتنمية أن تنشط الجمعيات الأهلية لاسيما جمعيات الثقافة الإسلامية لطباعة نسخ القران، وجمعيات تيسير الحج، وجمعيات الأئمة والخطباء، وطباعة الكتب العلمية والتراثية الإسلامية، ومنها مؤسسة "صنعة علم" التي يشرف عليها مستشار اردوغان نفسه البروفسير أحمد داود أوغلو، كما أعتقد تنظيم دورات ضخمة في علوم القران والعلوم الاجتماعية من منظور إسلامي يختلف عن الغربي". ويشير حبيب إلى أن الدورة الحالية من المتوقع أن تشهد تفعيل الأجندة الثقافية وعلى رأسها تغيير الدستور والذي سوف يتضمن التأكيد على هوية تركيا وإعطاء حرية أوسع للائمة والخطباء، وإباحة الحجاب الذي يعمل أزمة كبيرة تمنع زوجة رئيس الجمهورية وزوجة رئيس الوزراء من دخول القصر الرئاسي بسبب حجابهما فضلا عن مئات الآلاف من الطالبات والموظفات. كما يرى أن تركيا مقبلة على انتعاش أدبي ونهضة ثقافية من روادها ياسين اقطاي، وعصمت اوزال، وعلي بولاجيش، ومحمد كرباج اوغلو، فالكتاب الإسلامي أصبح أهم كتاب في تركيا حيث الفضاء الثقافي الواسع أمام أي مؤلفات إسلامية في أي دولة لاسيما العالم العربي ولذلك إذا عطس أحدا في مصر أو سوريا تسمعه تركيا؛ فالظلال والمعالم ورسائل حسن البنا ومؤلفات د.حسن حنفي وفكرة اليسار الإسلامي ومؤلفات المفكر الباكستاني فضل الرحمن وغيرهم منتشرة في أنحاء تركيا. تركيا الآن تستعيد ثقافتها وتقاليدها العثمانية والطرق الصوفية في منطقة الفاتح في استانبول على وجه الخصوص وكل من فيه يرتدون الطربوش والعمامة والعباية العثمانية وحتى يرتدون ساعات يد تعمل وصممت من اليمين للشمال وبالعربي وهناك رد فعل قوي للرد على العلمانية وأصبح أكثر من 20% من الشعب التركي يتبنون بقوة للفكرة الإسلامية ويزداد نسبتهم بدرجة كبيرة. هوية مركبة من جهته يقول الكاتب الإسلامي "فهمي هويدي": "إنني لست مع افتعال القضايا مثل الحجاب والهوية الإسلامية لأنه غير مطروح على أجندة العدالة الآن، أما المطروح الآن أن هناك جمهورية تركية جديدة ودستور جديد ينتظر الاستفتاء عليه، أي أنها تحولات سياسية سوف تصاحبها تحولات ثقافية والمسالة لن تزيد عن عملية الاصطياد المتبادلة بين المعسكر العلماني المتطرف والتيار الإسلامي الصاعد". أما القضايا الأخرى كالحجاب مثلا فهو مؤجل، وقد يدخل ضمن موضوع الحريات العامة التي يفترض أن تتوافق مع المفهوم الأوربي وسيصبح جزء من حزمة إجراءات تتم في إطار التوافق. يضيف: "الهوية الإسلامية لتركية هي هوية مركبة من أشياء كثيرة الإسلام أحد عناصرها، وهذه الهوية نجد أن السياسة حاكمة فيها، فإذا طلبت تركيا الاشتراك في السوق الأوربية المشتركة فالسياسية هي التي تحدد طبيعة هويتها، فالاستقطاب العلماني الإسلامي كاد يتلاشى لصالح الاعتدال من قبل الفريقين الإسلاميين والعلمانيين، بحيث أصبح هناك اعتدالا إسلاميا متوافقا مع الاعتدال العلماني، وهناك معادلات كلها تدور في فلك لا يمكن أن يرصد حاليا". مضيفا أن تجربة العدالة قد استقرت سياسيا وتحولت من مشروع حزب إلى مشروع وطن، والتشكيلة الوزارية فيها كل الأطراف ونجح مرشحي العدالة تقديم أنفسهم كمرشحين وطنيين وليسوا إسلاميين متشددون. ثقافة نحو الشرق بينما يقول الصحفي التركي "طوران متين"، مراسل وكالة الأنباء التركية بالقاهرة، "الثقافة في تركيا بعد صعود الرئيس عبد الله جول سوف تصب في الاتجاه الشرقي لتركيا، حيث أن جول هو مهندس العلاقات العربية التركية لاسيما العلاقات السعودية والمصرية، الأمر الذي يعزز الهوية الثقافية الإسلامية لتركيا في المستقبل المنظور". فجول عمل قبل توليه وزارة الخارجية منذ فترة مسئولا بالبنك الإسلامي للتنمية بجدة لمدة 8 سنوات ويتقن التحدث باللغة العربية الأمر الذي يحسب لصالح الثقافة الإسلامية في تركيا . وقال متين أن حزب العدالة يتخذ قراراته بالتدريج ولا يريد أن يفتعل أية مشكلات، وقضية الحجاب هذه لن يطرحها بنفسه وإنما إذا طرحها حزب آخر سوف يتضامن معه حزب العدالة حيث أن حزب " حركات القومية المعارض " يرفض حظر الحجاب في تركيا وله رؤية قريبة تطالب بحرية الحجاب، كما أنهم مع دستور مدني للبلاد بدلا من دستور 1982 العسكري. وأوضح أن العدالة يسعى لفتح مجال في وزارة التعليم العالي لحل مشاكل الحجاب ودخول الطالبات المحجبات الجامعة، كما بدأ يظهر معارضين داخل حزب الشعب العلماني تطالب بإقالة رئيس الحزب بعد فشله في الانتخابات. إثراء وتنوع بينما أكد عمرو الشوبكي، الباحث بمركز الأهرام الاستراتيجي، أن التجربة التركية ستظل واحدة من أكثر التجارب في العالم الإسلامي إثارة للجدل، حيث إنه منذ فشل مشروع أربكان لعدم واقعيته وعجزه عن الهروب من الثنائية العلمانية - الإسلامية في تركيا، جاءت تجربة "جيل الوسط" بقيادة رجب طيب أردوجان، الذي انشق عن حزب أربكان وأسس حزب العدالة والتنمية وأخذ علي عاتقه مهمة بناء حزب جديد يختلف في رؤيته الفكرية والسياسية عن تلك التي قامت عليها كل الأحزاب الإسلامية في تركيا، ويبدأ في تأسيس مرحلة جديدة سعت عمليا إلي أن تكسر ثنائية العلمانية-الإسلام في تركيا الحديثة. واتضحت ملامح هذه المرحلة الجديدة عقب الانتصار الكاسح الذي حققه حزب العدالة والتنمية في انتخابات نوفمبر ٢٠٠٢، وأعلن أنه لا يرغب في تأسيس نظام إسلامي، ولم يصنف نفسه من الأساس باعتباره حزب "إسلامي ديمقراطي" كما فعل أربكان، إنما تيار "محافظ ديمقراطي"، وأعلن تمسكه بالعلمانية ولكنه طالب بأن تكون علمانية علي الطريقة الأوربية وليست كمالية ـ نسبة لكمال أتاتورك ـ أي تفصل بين الدين والدولة، ولا تتدخل الثانية في أمور الأولي، كما تفعل العلمانية التركية التي قامت فيها الدولة بقهر المؤسسات الدينية. ويختتم الشوبكي كلامه قائلا: "صعود جول وحزب العدالة والتنمية سيساعد في الازدهار الثقافي في تركيا لأنها دولة قادرة على إبراز الثقافة المتنوعة إذ أن لها وجها أوربيا، ووجها أكبر إسلاميا، وبالتالي ستكون أكثر تصالحا مع التراث الإسلامي، وهي ليست منغلقة على التراث الأوربي وستساهم في إثراء وتنوع الثقافة التركية، فهم ليس لهم موقفا عدائيا من الثقافة الإسلامية ولا من الثقافة الغربية". |
|