ثقافة التعايش

                             عبد الله الطحاوي

 

الصفحة الرئيسية

 خلال شهر واحد ذهبت إلى عمان مرتين لسبب واحد وهو مناقشة أحوال الأقليات في العالم العربي، الأولى من خلال دعوة الاتحاد العالمي للطلبة المسيحيين، والثانية كان برنامج نقاشات وفعاليات ورشة لتدريب الإعلاميين الشباب في بناء ثقافة السلام الذي نظمه منتدى التنمية والثقافة والحوار في بيروت.

الرعاية في اللقاءين كانت "مسيحية" والمبادرة والتنظيم كلها تخص تلك الجهات، وهذا لا يمنع أن الحضور يجمع ما بين المسلمين والمسيحيين، أما العامل المشترك بين اللقاءين وغيرها هو قلق الكثير من المسيحيين العرب تجاه مستقبلهم.

لن نتجادل حول المبالغة في هذا الإحساس من عدمه، لكنه قائم ولا يمكن إنكاره، وتبدوا تلك التحركات الذكية من خلال تفعيل العمل المدني وثقافة القبول وإحياء عناصر التعايش داخل الثقافة العربية الإسلامية وهو تمرير ذكي لتلك الهواجس لنبض المجتمع العربي.

والأمر المهم في تلك اللقاءات هو التعرف على طبعات مختلفة من المسيحية العربية وأنها ليست شيئا واحدا مصمتا، فلكل إقليم امتصاصاته النوعية للمسيحية، فمثلا مسيحيو الشام يختلفون عن مسيحي بعض الدول الأخرى في الكثير من التوجهات الثقافية والقومية، حتى المشتركين في نفس المذهب قد يختلفون.

ولن تجد غرابة في ربط بعض رجال الدين المسيحيين هناك بين المواطنة والانتماء لقضايا المنطقة وأن يكون جزء من طموحها وهمومها، ففي القدس على سبيل المثال نجد نحو 200 ألف نسمة من المسيحيين وهم عرب أقحاح (أصلاء) وهذه المنطقة كان يسكنها الغساسنة وبني كلب من القبائل العربية المسيحية.

 لكن – وفي المقابل-  نجد أن الدفع بالمسيحيين العرب للدين والكنيسة كحلٍ اجتماعيٍ وسياسي لهم، تكون فيه الثقافة الفرعيةُ الطائفيةُ هي الإطار الأخير مع إهدار الإطار الحضاري الجامع، هي الكارثة التي تستعد للانفجار في العديد من البلدان العربية.

مع الشباب في الاتحاد المسيحي تبدو المسألة أكثر سخونة؛ فالشباب المسيحي لا ثقة لديهم في المطروح من مشاريع وأفكار تنتمي للهوية العربية الإسلامية، الكثير منهم وقع تحت تأثير التشويه الإعلامي للميديا الغربية، والبعض ربما مر بتجارب سلبية أو باحتكاكات شخصية .

جميعهم يرى أن خريف الطائفية يتحين ليعم المنطقة، العراقي منهم اكتشف بعد الاحتلال أنه لا وطن ولا مجتمع سوى عدة مذاهب وقبائل تنتظر فتوى قتل.

إذن المسألة ببساطة هي أزمة ثقة وغياب لثقافة التعايش والحل يكمن ـ وببساطة أيضا ـ

عند الأغلبية التي هي صاحبة الدور في طرح الرؤى والأفكار الاستيعابية، ولأن الأغلبية هي صاحبة الشوكة وهي المستفيد الأول من ازدهار مجتمعاتها وتنميتها.. بالتالي فالثقافة العربية والإسلامية أمامها أسئلة كثيرة عن الأقليات وتحد مهم يجب أن يقابل باستجابة جديدة، ولابد أن يكون المعنيون بالمسألة الحضارية هم أول المبادرين بتقديم نموذجا تفاعليا يستوعب انفلات هذه الظاهرة.  
وأمام المسيحيين دور مهم في مكافحة ثقافة العزلة المستشرية عند بعض المسيحيين العرب والتعامل بجدية مع المشروع الإسلامي بل والالتحام به وتطويره وأن يكونوا متفاعلين فيه.

وهنا نعود للنقطة الثانية التي نوقشت في اللقاء الثاني والخاصة بكيفية تدريب الصحفي ليكون مؤهلا للتعامل مع هذه القضايا وغيرها من قضايا النزاعات.
والسؤال هنا هل يؤجج الصحفي الصراعات الدينية والمذهبية في عالمنا العربي؟.

قد يكون من المفيد أن نتذكر بيان الإذاعة في رواندا الذي دعا كل أبناء الهوتو إلى قتل التوتسي، وقال البيان صراحة "القبور لا تزال نصف مملوءة" Graves are still only half full .

السؤال مهني وأخلاقي، ويطرح إشكالية مهمة عن علاقة الكاميرا والقلم في صناعة السلام واحتواء النزاعات، وعن العلاقة بين الصحافة والنزاع خصوصا إقليميا.

الإعلام في منطقتنا لابد وأن يعبر فجوة الأيدلوجية إلى المهنية في ضوء مقاصد إنسانية وأخلاقية تجعل منه أداة لنشر مفاهيم السلام والمساواة والتعايش.

وحتى الآن فالإعلام العربي فشل في أن يكون أداة من أدوات التهدئة والاستقرار، لأن الصحفي لابد أن يعلم بجانب المهنة الدور الأخلاقي، ومن ثم فالمطلوب إرساء أسس منهجية لتغطية النزاعات صحفيا بما يخدم ثقافة السلام، ويحول دون امتداد النزاعات وتفاقمها.

الحديث عن هموم الخريطة العربية وقضاياه مشتبكة وتحتاج لجهود كثيرة لحلها، لكن سيظل خطر الانقسام والاحتراب الداخلي أشد خطرا!.  

لإبداء الرأي والتعليق على المقال تفضل بزيارة الرابط التالي :